البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية
على ضوء القانون رقم 18.21 المتعلق بالضمانات المنقولة
ذ طارق أوالدعلي
محامي متمرن بهيئة المحامين بتطوان.
باحث في قانون األعمال.
إن التطورات االقتصادية وما أفرزته من تحرير للتجارة الدولية، في ظل مناخ تسود فيه
الحرية التعاقدية أدت إلى ظهور ضمانات جديدة أخذت تغير من األسس التي تقوم عليها
الضمانات التقليدية، وبالخصوص على مستوى الضمانات العينية إذ نجد توظيف الملكية في
الضمان من خالل ما يسمى بشرط االحتفاظ بالملكية، أو نقل الملكية على سبيل الضمان، األمر
الذي جعل من الملكية تتعدى الدور التقليدي المنوط بها باعتبارها حقا عينيا أصليا، إلى دور
1 آخر أكثر تطورا يتمثل في وظيفة الضمان
.
واستنادا على ذلك غدت الملكية كضمان من بين األساليب التأمينية التي لم يغفل المشرع
أن يوليها اهتماما تشريعيا إلى جانب التأمينات العينية األخرى في قانون الضمانات المنقولة،
وقد سلطنا الضوء عليه بوجه خاص لما يحمله من حمولة تشريعية جديدة، خصوصا بإقحامه في
صلب القانون المدني المغربي، واعتباره حقا يراد به تأدية وظيفة الضمان، وذلك بعدما
استطاعت الممارسة االئتمانية تطويع هذا الحق بموجب أنماط تعاقدية تكفل للدائنيين فيها حماية
2 حقوقهم في مواجهة الدائن
.
3 ويعتبر جانب من الفقه
البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية بيع عادي، ينعقد صحيحا، ومن
شأنه ترتيب آثاره كاملة، إال أن أحد األطراف يأتمن اآلخر على إرجاء تنفيذ االلتزام بنقل
4 الملكية إلى فترة محددة أو لسبب آخر، بينما يعرفه آخر
باعتباره بند مكتوب في عقد بيع
البضائع أو المنقوالت المادية ينص على احتفاظ البائع بملكيته له حتى يقوم هذا األخير بالوفاء
1
عبد الصمد خروفي، دور الضمانات المستقلة في تحسين أحكام الكفالة التعاقدية، م س، ص 2.
2
محمد العلواني، المالمح الجديدة للتأمينات العينية المنقولة في القانون الفرنسي، مجلة الحقوق، العدد المزدوج 16 و17، السنة التاسعة،
فبراير – دجنبر 2014، ص 95.
3
محمد حسين منصور، شرط االحتفاظ بالملكية، دار الجامعة الجديدة 2007، ص 54 وما بعدها.
4
علي جمال الدين عوض، العقود التجارية، دار النهضة العربية 1987، ص 57.
بالثمن المتفق عليه كامال، وقد اعتبره البعض
أنه اتفاق بين البائع والمشتري بعدم نقل الملكية
بشكل فوري لضمان قبض الثمن كامال، وبالتبع فهو بمثابة بيع ائتماني، يوظف الملكية كضمان
لتأدية الثمن المتفق عليه من طرف المشتري.
والمشرع بصدد تنظيم هذا الشرط لم يتطرق إلى تعريفه بل اكتفى ببيان مضمونه، حيث
اعتبر أنه يمكن االتفاق على وقف نقل ملكية الشيء المبيع، بموجب شرط االحتفاظ بالملكية، إلى
6 حين األداء الكامل للثمن
، ونعتبر أنه إلعطاء تعريف دقيق البد من الرجوع إلى تعريف عقد
البيع، والذي يعتبر اتفاق بموجبه ينقل أحد األطراف ملكية شيء أو حق إلى آخر مقابل ثمن
7 يلتزم هذا األخير بأدائه له
، وإذا كان عقد البيع يرتب آثاره فور إبرامه مما يتعين معه نقل ملكية
المبيع إلى المشتري، فإن عقد البيع مع االحتفاظ بالملكية يجعل ذلك االنتقال موقوفا إلى حين
أداء المشتري الثمن كامال، وبالتبع يمكن القول أن عقد البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية هو
نموذج تعاقدي اتفاقي يقوم في جوهره على تأخير نقل الملكية إلى المشتري، حتى يتأتى للبائع
8 استرداد الشيء المبيع باعتباره مالكا له عند تخلف المشتري على الوفاء بالحق
.
وارتباطا باإلصالحات التي جاء بها قانون الضمانات المنقولة، فإنه تمت إضافة فرع
خامس للباب الثالث من القسم األول من الكتاب الثاني من قانون االلتزامات والعقود، وذلك
بمقتضى المادة الرابعة من القانون رقم 21.18 السالف الذكر، وقد جاء معنونا بــ"بيع المنقول
9 مع شرط االحتفاظ بالملكية"، وذلك من خالل الفصل 618 المكرر
، ومن ثم يكون قد انضاف
إلى مؤسسة البيع نوع جديدذو طبيعة خاصة، األمر الذي نحاول من خالله الوقوف على أحكامه
العامة )المحور األول(، وكذا استجالء شروط انعقاده وتماميته،ثم رصد اآلثار القانونية التي
يرتبها هذا النوع من البيع )المحور الثاني(، مع األخذ بعين االعتبار إبراز الدور االئتماني أو
التمويلي الذي يمكن أن يحققه، خصوصا بالنسبة للمقاوالت الصغرى والمتوسطة، باعتبار أن
هذا القانون يستهدف هذه الفئة من المقاوالت على وجه الخصوص.
Sophie Bourguignon, Les Atteintes Au Droit De Propriété Des Créanciers Dans Les Procédures
Collectives, Mémoire Soutenu En Vue De L’obtention Du D.E.A. De Droit Des Affaires, Année
2000/2001,P 67.
6 وقد سار على نهج المشرع الفرنسي الذي نص
على ما يلي:
Art 2367 C.Civ: "La propriété d'un bien peut être retenue en garantie par l'effet d'une clause de réserve de
propriété qui suspend l'effet translatif d'un contrat jusqu'au complet paiement de l'obligation qui en
constitue la contrepartie".
7
ينص الفصل 478 من ق ل ع بكونه "عقد بمقتضاه ينقل أحد المتعاقدين لآلخر ملكية شيء أو حق في مقابل ثمن يلتزم هذا اآلخر بدفعه
له".
8
محمد العلواني، المالمح الجديدة للتأمينات العينية المنقولة في القانون المدني الفرنسي، م س، ص 97.
9
الفصول من 618-21 إلى 618-26 من قانون االلتزامات والعقود كما تم تتميمه وتعديله بالقانون رقم 21.18.
3
المحور األول: األحكام العامةللبيع مع شرط االحتفاظ بالملكية
لم يح َظ عقد البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية بتنظيم تشريعي صريح في القانون
المغربي، بالرغم من التنصيص عليه في العديد من التشريعات المقارنة، حيث أقر القانون
، 10 الفرنسي االحتفاظ بالملكية على سبيل الضمان بموجب القانون الصادر في 12 ماي 1980
، والمشرع المغربي لم 11 ثم تأثر به المشرع المصري فتم تنظيمه في مدونة التجارة المصرية
يلتحق بركب اإلقرار بهذا النوع من البيوع، إال حديثا مع صدور القانون رقم 21.18المتعلق
، فإذا كان عقد البيع ينقل بموجبه أحد المتعاقدين لآلخر ملكية شيء أو حق 12 بالضمانات المنقولة
في مقابل ثمن يلتزم هذا اآلخر بدفعه له، فإن الحديث عن البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية
المنصب على المنقول، يختلف كما يبدو من خالل تسميته، إذ ال تنتقل ملكية المبيع إلى المشتري
فورا، بل حسب ما تم التنصيص عليه في ظل الفصل 618-21 أنه يتم وقف نقل ملكية المبيع
للمشتري إلى حين األداء الكامل للثمن، وهو األمر الذي يدفعنا إلى تمييزه عن بعض
المؤسسات المشابهةله )الفقرة األولى(، ثم محاولة الوقوف على طبيعته القانونية )الفقرة الثانية(،
وذلك في سبيل إزالة الضبابيبة حول هذه المؤسسة الجديدة في تشريعنا المغربي.
الفقرة األولى: تمييز البيع مع االحتفاظ بالملكية عن غيره من العقود المشابهة
يعتبر البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية، صورة من صور من البيوع االئتمانية التي
تهدف إلى تحقيق الغاية المتوخاة من البيع شرط االحتفاظ بالملكية، وعليه، وحتى نالمس ماهيته
القانونية، فإنه يتعين تمييزه عن بعض النظم المشابهة له، والتي يمكن أن تختلط به القتراب
طبيعتها القانونية منه، وبالتبعنحاول تمييزه عن عقد االئتمان اإليجاري، ثم عن عقد اإليجار
التمويلي، ثم عن عقد البيع باألقساط، وذلك على سبيل المثال ال الحصر لتعدد األنظمة التي
يمكن أن تشتبه مع البيع شرط االحتفاظ بالملكية.
أوال: تمييز البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية عن عقد االئتمان اإليجاري
_________________
10 Loi N°80-335 Du 12 Mai 1980 Relative Aux Effets Des Clauses De Reserve De Propriété Dans Les
Contrats De Vente, Version Consolidée Au 28 Mai 2019.
تقضي المادة 430-1 من القانون المدني المصري أنه: " إذا كان البيع مؤجل الثمن جاز للبائع أن يشترط أن يكون نقل الملكية إلى 11
المشتري موقوفا على استيفاء الثمن كله ولو تم التسليم".
ونجد عدة تطبيقات لهذا الشرط في عدة قوانين خاصة، نذكر من بينها: 12
- ظهيـر 17 يوليوز 1936 المتمم لظهيري 6 يوليوز 1953 و ظهيـر 22 أبريل 1957 المتعلق ببيع السيارات بالطلق الذي جاء في مادته
السادسة أنه فيما يرجع لبيع السيارات بالسلف حسب ما هو منصوص عليه في الفصلين 3 و 4 يحتفظ البائع بملكية المبيع وتوابعه حتى
نهاية أداء كامل ثمن البيع من طرف المشتري.
- مدونة التجارة في إطار عقد اإلئتمان اإليجاري، الذي نظمه المشرع في المواد من 431 إلى 442، ويمكن القول بأنه عقد تقوم فيه شركة
مالية متخصصة ومرخص بها، بشراء ما يحتاج إليه المستثمر والمقاولة من معدات وآالت وأدوات النقل لألغراض المهنية، أو عقار في
اسمها مشيد أو في طور التشييد، مع بقاء الممول محتفظا بملكيتها إلى حين سداد كامل األقساط المتفق عليها.
- المادة 672 من مدونة التجارة التي تنص على أنه "يمكن أيضا استرداد البضائع المبيعة شرط األداء الكامل للثمن مقابل نقل ملكيتها، إذا
كانت هذه البضائع موجودة بعينها وقت فتح المسطرة".
إن توفير مصادر التمويل لضمان االستمرارية والتطوير والتوسع، يشكل هاجسا أوليا
لكل دول العالم االقتصادي الحديث، وفي سبيل البحث عن االئتمان وبعيدا عن اإلجراءات
المعقدة والبطيئة التي تصطبغ بها الضمانات التقليدية، ظهرت مكنة جديدة تسمى باالحتفاظ
بالملكية على سبيل الضمان، وإذا كانت التشريعات المقارنة كانت سباقة إلى إقرار هذا النوع من
الضمانات، فإن التشريع المغربي عرف بوادره عقب تقنين ما يسمى بعقود االئتمان
، أوال بموجب ظهير 1993 ثم بعد ذلك بموجب الكتاب الرابع من مدونة التجارة، 13 اإليجارية
، باعتباره يضم كال من عقود القرض والبيع 14 خصوصا وأن هذا العقد يتميز بطبيعته المركبة
والكراء وكذا الوعد بالبيع وأيضا عقد الوكالة، األمر الذي دفع ببعض الفقه إلى تقريبه من
، لكون المورد أو البائع يظل محتفظا بملكية 15 البيوعات المعلقة على شرط االحتفاظ بالملكية
المبيع إلى حين إتمام المشتري أو المستفيد أداء األقساط وفق دفعات مختلفة يتم االتفاق عليها
مسبقا.
ولعل أوجه الشبه هنا بين عقد االئتمان االيجاري والبيع مع شرط االحتفاظ بالملكية،
تتجلى أساسا في كون أن العقدين يعتبران من العقود ذات الطابع التمويلي، ثم إن المبيع في كال
العقدين يظل في ملكية البائع، ويكون مصيره آيل إلى االنتقال إلى المشتري أو استرداده من
طرف البائع حسب األحوال، إال أن الوضع يختلف بين العقدين، فعقد االئتمان اإليجاري يتضمن
فقط وعدا من المؤتمن ببيع األشياء محل العقد إلى المستفيد، إذا أبدى رغبته في تملكه،
خصوصا إذا علمنا أن هذا العقد من العقود الزمنية التي تنتهي بانتهاء المدة المتفق عليها، إذ
يكون للمستفيد ثالث خيارات إما تملك األشياء بشرائها، أو تجديد العقد لمدة أخرى أو رد
األشياء إلى المؤتمن، في حين أن البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية هو بيع تام، وليس فقط مجرد
وعد بالبيع كما في االئتمان اإليجاري، وبالتبع فإن هذا األخير وإن كان فيه المؤتمن يظل
محتفظا بملكية األشياء،فإن البيع شرط االحتفاظ بالملكية هو آيل إلى التنفيذ بانتقال الملكية إلى
المشتري، وليس لهذا األخير الخيار في عدم تملكها، إال أن البائع يحتفظ بملكية األشياء لضمان
قبض ثمنها، وال يكون له الحق في استردادها إال عند عدم أدائه في تاريخ االستحقاق المتفق
عليه في العقد.
___________
لقد كانت المادة 431 تعرف عقد االئتمان االيجاري بكونه: "كل عملية إكراء للسلع التجهيزية أو المعدات أو اآلالت التي تمكن المكتري 13
كيفما كان تكييف تلك العمليات من أن يتملك في تاريخ يحدده مع المالك كل أو بعض السلع المكراة لقاء ثمن متفق عليه يراعى فيه جزء
على األقل من المبالغ المدفوعة على سبيل الكراء )االئتمان اإليجاري للمنقول(، كل عملية إكراء للعقارات المعدة لغرض مهني، تم شراؤها
من طرف المالك أو بناها لحسابه، إذا كان من شأن هذه العملية كيفما كان تكييفها أن تمكن المكتري من أن يصير مالكا لكل أو بعض
األموال المكراة على أبعد تقدير عند انصرام أجل الكراء )االئتمان اإليجاري العقاري("، لكن بعد صدور القانون رقم 21.18، تم نسخ
وتعويض المادة أعاله حيث أضحت تحيل مباشرة على المادة الرابعة من القانون رقم 103.12 المتعلق بمؤسسات االئتمان والهيئات
المعتبرة في حكمها.
14
محمد الشواي، العقود التجارية، الطبعة األولى 2016، مطبعة الخليج العربي، الصفحة 49.
15
محمد حسين منصور، شرط االحتفاظ بالملكية، م س، ص 41
ثانيا: تمييز البيع شرط االحتفاظ بالملكية عن عقد البيع اإليجاري
يعتبر البيع اإليجاري صورة من صور البيوع التمويلية أيضا، إذ يتم في صورة اتفاق
، فيظهر من 16 يلجأ فيه الطرفان إلى إظهار عقد إيجار األشياء الذي يخفي في داخله عقد البيع
خالله أنه عقد إيجار عادي، فهو بمثابة عقد كراء صوري، كونه يخفي في باطنه عقد بيع،
فيكون المؤجر بائعا، والمستأجر مشتريا، وتعتبر األقساط الدورية التي يدفعها المستأجر بمثابة
أقساط ثمن العين، وما إن ينتهي المشتري –المستأجر- من سدادها إال ويصبح مالكا للعين بأثر
رجعي يعود إلى يوم إبرام العقد، هذا بعد دفع مبلغ رمزي متفق عليه مسبقا كمقابل لتملك محل
17 التعاقد
.
، فإن ذلك 18 ولما كان عقد البيع اإليجاري يضمن تفادي تصرف المشتري في المبيع
يجعله يقترب من البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية، إال أن وجه االختالف بينهما يتجلى في كون
أن األول ال يخول للمشتري التصرف بالملكية إلى بعد سداد األقساط، بخالف البيع شرط
االحتفاظ بالملكية إذ يخول للمشتري التصرف فيها ببيعها، على أن حقوق البائع األول في
، هذا باإلضافة إلى أن البيع اإليجاري هو 19 استيفاء ما تبقى من دينه تصبح قائمة في ثمن البيع
عقد صوري لكونه إيجار في ظاهره وبيع باألقساط في باطنه، بينما الثاني بيع تام يرتب آثاره
القانونية كاملة، ويقيد في السجل الوطني للضمانات المنقولة على هذا األساس، ثم إن طبيعته ال
تشترط أن يتم االتفاق على أداء الثمن باألقساط، بل يمكن االتفاق على أدائه كامال في ميعاد
محدد، وذلك بخالف البيع اإليجاري الذي هو عبارة أن أداء الثمن على شكل أقساط تظهر على
أنها أجرة لالنتفاع بالعين المؤجرة.
ثالثا: تمييز البيع شرط االحتفاظ بالملكية عن عقد البيع بالتقسيط
كثيرا ما يعمد الشخص إلى بيع عين بأقساط، وإلى حين الوفاء بثمنها من طرف
المشتري، يظل البائع محتفظا بملكية المبيع خشية إعساره وبالتبع تعذر أدائه للثمن كامال،
ويعتبر عقد البيع بالتقسيط هو نقل ملكية شيء مقابل ثمن مؤجل يؤدى على شكل
أقساط متساوية
_________
_ هناك من الفقه ما يسميه باإليجار الساتر للبيع، انظر في هذا الشأن: 16
- عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في القانون المدني، الجزء الرابع، العقود الواردة على الملكية، البيع والمقايضة، دار إحياء التراث
العربي، لبنان، ص 177.
- عبد الرحمان الشرقاوي، قانون العقود المسماة، الكتاب األول عقد البيع، الطبعة األولى 2011، ص 96.
17
إبراهيم أبو الليل، البيع بالتقسيط والبيوع االئتمانية األخرى، مطبوعات جامعة الكويت، الكويت سنة 1984، ص 26 و27.
18
محمد حسين منصور، شرط االحتفاظ بالملكية، م س، ص 244.
ينص الفصل 618-25 من ق ل ع "في حالة قيام المشتري ببيع الشيء المنقول، تصبح حقوق البائع األول في استيفاء ما تبقى 19
من دينه قائمة في ثمن البيع، أو في التعويض الذي ستؤديه شركة التأمين للمشتري، عند االقتضاء"
، وقد عرف هذا النوع من العقود أولى 20 حتى ولو سلمت ملكية المبيع قبل استيفاء الثمن كامال
، والذي جاء في مادته 21 تطبيقاته مع صدور القانون المتعلق ببيع السيارات بطريق القرض
السادسة، أنه فيما يرجع لبيع السيارات بالسلف حسب ما هو منصوص عليه في الفصلين 3 و4
يحتفظ البائع بملكية المبيع وتوابعه حتى نهاية أداء كامل ثمن البيع من طرف المشتري.
يقترن البيع بالتقسيط غالبا باالحتفاظ بالملكية إذا يحتفظ البائع بملكية المبيع ضمانا
الستيفاء كامل الثمن المؤجل، ولعل هنا يكمن وجه الشبه، ففي كال العقدين يتم االتفاق على
االحتفاظ بملكية األشياء محل البيع، إال أن البيع بالتقسيط كما هو واضح من تسميته يتم عن
طريق تجزيء الثمن على أقساط، وهو األمر الذي ليس باألمر الضروري في البيع مع االحتفاظ
بالملكية، إذ يمكن إرجاء الوفاء بكامل الثمن إلى حين حلول وقت معين أو تحقق واقعة معينة أو
غير ذلك مما يمكن أن ينشأ عن االتفاق، ثم إنه بالنسبة للبيع بالتقسيط يكون تملك محل المبيع
بأثر رجعي يعود لتاريخ العقد، أما بالنسبة لعقد البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية فإن تملك
األشياء يكون بأثر فوري، فالملكية ال تنتقل إلى عند الوفاء بالثمن كامال، وهو ما يستشف من
صيغة الفصل 618-22 حينما تحدث عن الوفاء الجزئي، حيث اعتبر أن الوفاء الجزئي بثمن
بيع األشياء يرتب االنقضاء الجزئي لشرط االحتفاظ بملكيتها، مع اإلشارة إلى كون أثر تملك
األشياء ال يعتبر من النظام العام، وبالتبع يجوز ألطراف العقد أن يحددو تاريخ تملك األشياء
بكل حرية.
الفقرة الثانية: الطبيعة القانونية لبيع المنقول مع شرط االحتفاظ بالملكية
تتسم الطبيعة القانونية لشرط االحتفاظ بالملكية بالكثير من الغموض والتعقيد، وقد تباينت
اآلراء الفقهية في هذا الصدد بين من يحاول إدخال الشرط المذكور داخل اإلطار القانوني
المنظم ألحكام الشرط واألجل، وبين من يحاول اعتباره مزيج بين مجموعة من األنظمة
القانونية المختلفة، فبعد محاولتنا إعطاء تعريف للشرط أعاله، وكذا تمييزه عن بعض العقود
المشابهة له، سنحاول الوقوف على طبيعته القانونية مع مراعاة ما سار عليه الفقهاء دون أن
يحيد بنا ذلك عما جاء به المشرع المغربي، وذلك بمدى إمكانية اعتباره وصفا، ثم إمكانية
اعتباره ضمانا، ثم نسلط الضوء على الطبيعة المزدوجة التي يمكن أن ينضوي تحتها شرط
االحتفاظ بالملكية في بيع المنقول.
أوال: طبيعة شرط االحتفاظ بالملكية باعتباره وصفا
عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في القانون المدني، الجزء الرابع، العقود الواردة على الملكية، البيع والمقايضة، دار إحياء التراث 20
العربي، لبنان، ص 172.
ظهير شريف رقم 1.57.149 الصادر بتاريخ 27 ربيع الثاني 1355 الموافق )17 يوليوز 1937( بشأن تنظيم بيع السيارات بطريق 21
القرض، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 2330 بتاريخ 22 ذي القعدة 21( 1376 يونيو 1957(، الصفحة 1443.
7
نظم المشرع أوصاف االلتزام في نطاق القسم الثاني من الكتاب األول من قانون
، ومن بين تلك 23 ، حيث اعتبر أن االلتزام قد ترد عليه أوصاف عديدة 22 االلتزامات والعقود
األوصاف ما يرد على الرابطة القانونية، وهنا نتحدث عن الشرط واألجل، وإذا كان األجل هو
تعليق نفاذ االلتزام أو زواله على حلول أجل معين، فإن الشرط كما نص على ذلك الفصل 107
ق ل ع هو "تعبير عن اإلرادة يعلق على أمر مستقبل وغير محقق الوقوع نفاذ االلتزام أو
، لكن من حيث اآلثار التي يرتبها هناك الشرط الواقف وهو 24 زواله" والشرط أنواع متعددة
شرط يترتب على تحققه نفاذ االلتزام وصيرورته تاما، وهناك الشرط الفاسخ وهو الشرط الذي
بتحققه ينقضي االلتزام ويعيد األطراف إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد.
1- نظرية الشرط:
باعتبار أن االحتفاظ بالملكية في عقد بيع المنقول هو شرط يوقف نقل الملكية إلى حين
يعتبر أن البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية، هو 25 سداد كامل الثمن، فإن جانب من الفقه الفرنسي
بيع ال ينعقد قبل سداد المشتري الثمن باعتبار أن الملكية ال تنتقل إلى المشتري إال بعد سداد
حيث اعتبر أن االحتفاظ 26 كامل الثمن، وعلى نفس المنوال اتجه جانب من الفقه المصري
بالملكية هو شرط واقف يتمثل في الوفاء بكامل الثمن، ولو تم تسليم ملكية المبيع حتى قبل
استيفائه ألي قسط من األقساط أو استيفائه الثمن كامال، إال أن هذه النظرية تثير الصعوبة في
تحديد نطاق سلطة المشتري على المبيع، خصوصا وأن ملكيتها لم تنتقل إليه بعد، مما يجعل
المشتري مالكا لحق احتمالي معلق على أدائه للثمن من عدمه، وما يؤكد ذلك هو نص الفصل
618-24 ق ل ع الذي اعتبر أن المشتري الذي ال يؤدي الثمن كامال عند االستحقاق، يخول
للبائع استرجاع الشيء المنقول، وهو ما دفع ببعض الفقه إلى القول بأن البيع والحالة هاته معلق
على شرط فاسخ.
، 27 فالشرط الفاسخ هو أيضا أمر مستقبل وغير محقق الوقوع يعلق عليه زوال االلتزام
فبتحققه يزول االلتزام ويعتبر كأن لم يكن، وباعتبار أن شرط االحتفاظ بالملكية إلى أن يؤدي
انظر الفصول من 107 إلى 126 من قانون االلتزامات والعقود. 22
نظم المشرع المغربي األوصاف التي تلحق االلتزام في القسم الثاني من الكتاب األول، فهناك األوصاف التي تلحق الرابطة القانونية 23
كالشرط واألجل، وهناك األوصاف التي تلحق محل االلتزام كااللتزامات التخييرية وااللتزامات المتعددة المحل، ثم هناك األوصاف التي
تلحق أطراف االلتزام كااللتزامات التضامنية وكذا االلتزامات القابلة لالنقسام والغير القابلة لالنقسام.
حول أنواع الشرط انظر: 24
- مأمون الكزبري، نظرية االلتزامات على ضوء قانون االلتزامات والعقود، الجزء الثاني، ص 32 وما بعدها.
25 Derrida F : La clause de réserve de propriété et droit des procédures collectives,Dalloz,Sirey, 1980, p
293.
انظر أسيل ناظم محمد، الطبيعة القانونية لشرط االحتفاظ بالملكية على سبيل الضمان، مجلة جامعة األنبار للعلوم القانونية والسياسية، 26
العدد الثالث عشر، المجلد الثاني، السنة 2017، ص 150.
27
مأمون الكزبري، نظرية االلتزامات على ضوء قانون االلتزامات والعقود، الجزء الثاني، م س، ص 34.
8
المشتري الثمن كامال، يجعل من عقد البيع والحالة هذه التزاما موجودا نافذا إال أنه معرض
للزوال في الحالة التي ال يؤدي فيها المشتري الثمن عند االستحقاق، وفي هذا السياق يرى بعض
أن االحتفاظ بالملكية هو شرط فاسخ معلق على عدم الوفاء من طرف المشتري بالثمن، 28 الفقه
وبالتبع فالمشتري يتملك ملكية المبيع وله أن يتصرف فيه بكافة أنواع التصرف، إال أن هذه
الملكية تنتزع منه بقوة القانون عند تحقق الشرط الفاسخ والمتمثل في عدم الوفاء بالثمن،
، لكن األخذ بهذه النظرية هو 29 وبالتالي يعود األطراف إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد
أمر مجانب للصواب، لكون اعتبار شرط االحتفاظ بالملكية شرطا فاسخا يتناقض مع روح
الشرط ذاته، فهو يجعل الملكية تنتقل إلى المشتري وليس فقط ضمان حفظها إلى حين الوفاء
بثمنها، وهو أمر يترتب عنه نقل ملكيتها مرتين األولى عند التعاقد، والثانية عند الفسخ لتحقق
الشرط الفاسخ، وهي مسألة تخالف أحكام العقد ومقاصده، التي تتجلى أساسا في فكرة تحقيق
االئتمان.
2- نظرية األجل:
تقوم فكرة األجل على تعليق نفاذ االلتزام أو زواله بمرور مدة زمنية معينة، والمشرع
، إال أنه يختلف عن الشرط في كونه 30 نظم األجل كأحد األوصاف التي تلحق الرابطة القانونية
أقوى وجودا من االلتزام المعلق على الشرط، فاألجل مهما طال أمده سيحل ال محالة، بخالف
الشرط الذي يبقى مدار جهالة فقد يتحقق وقد ال يتحقق.
، وبالنظر إلى األثار التي يرتبها فهناك األجل الواقف وهناك 31 واألجل أنواع متعددة
األجل الفاسخ، وإذا كان األجل الفاسخ مستبعد لكونه يفسخ االلتزام بحلوله، فإن شرط االحتفاظ
بالملكية أساسه ضمان أداء الثمن وليس فسخه عند عدم ذلك األداء، وبالتبع فإن الفقهاء في إطار
أن البيع مع شرط االحتفاظ 32 تحديد الطبيعة القانونية لهذا فإنه يعتبر أصحاب هذه النظرية
بالملكية هو التزام معلق على أجل، وهو األجل الذي يتم فيه أداء الثمن من طرف المشتري،
لكون أن الملكية تنتقل إلى هذا األخير في الوقت الذي يتم فيه الوفاء، وحقيقة بالرغم من
تنصيص المشرع في الفصل 618-21 على أنه يمكن وقف نقل ملكية المبيع إلى حين الوفاء
بالثمن، وهو ما يستشف منه أن األداء يتم بعد مرور أجل معين، ومع ذلك فإن هذه النظرية تبقى
مجانبة للصواب لكون أداء الثمن مسألة غير محققة الوقوع بخالف األجل الذي يعتبر متحققا ال
28
محمد حسين منصور، شرط االحتفاظ بالملكية، م س، ص 301.
محمد حسين منصور، نفس المرجع أعاله. 29
انظر الفصول من 128 إلى 140 من قانون االلتزامات والعقود. 30
انظر في هذا الصدد مأمون الكزبري، نظرية االلتزامات على ضوء قانون االلتزامات والعقود، الجزء الثاني، م س، ص 67 وما بعدها. 31
32Ponta vice :Intérêts Et Limites De La Clause De Reserve De Propriete, R. Banque, Triage A Part,1982,
Page122.
9
، لننتقل بذلك إلى النظرية القائلة بكون شرط 33 محالة، وهو ما عرض هذه النظرية للنقد أيضا
االحتفاظ بالملكية هو ضمان، وذلك في الفقرة الموالية.
ثانيا: طبيعة شرط االحتفاظ بالملكية باعتباره ضمانا
إن الطبيعة االستثنائية لشرط االحتفاظ بالملكية التي تشكل خروجا عن القواعد العامة
، وإذا كانت 34 النتقال الملكية، دفعت بالفقه إلى ضرورة تأصيله ورده إلى نظام قانوني معين
المحاوالت السابقة حاولت إدراجه ضمن أنظمة الشرط واألجل، فإن هناك من ربط الطبيعة
القانونية للبيع مع شرط االحتفاظ بالملكية مع الوظيفة الرئيسية التي يهدف إليها أال وهي
الضمان، إال أن أصحاب هذه النظرية انقسموا بين فريق يعتبره ضمانا اتفاقيا، وفريق آخر
يعتبره ضمانا عينيا.
أن البيع مع االحتفاظ بالملكية هو ضمان اتفاقي، وذلك بناء على 35 فقد اعتبر البعض
األساس التعاقدي الذي ينبني عليه، فمصدره هو إرادة البائع واتفاقه مع المشتري ابتداءا على
ذلك، وبالتبع فإنه يرتب التزامات متقابلة بين األطراف، ثم إن العقد شريعة المتعاقدين وال نص
يمنع من تشديد الضمان أو تخفيفه، إال أن حصر الطبيعة القانونية لهذه المؤسسة في األسس
التعاقدية التي تقوم عليها، تجعلها قاصرة عن اإلحاطة بها، خصوصا وأن تحديد طبيعتها
القانونية تستدعي بالضرورة إرجاعها إلى المجموعة الحقيقية التي تنتمي إليها، واالقتصار على
مصدر نشوئها دون الرجوع إلى الوظيفة المستحدثة من أجلها، وهو ما يجعل من هذا الرأي
محل نظر، وفي حاجة إلى نوع من التصويب.
ومن ثم جاء الفريق الثاني الذي اعتبر أن البيع شرط االحتفاظ بالملكية هو بمثابة ضمان
، ففكرة الضمان تعبر عن وظيفة اقتصادية أكثر منها قانونية، وتوظيف الملكية في مجال 36 عيني
المعامالت المالية فيه تحقيق لنوع من الضمان، فهو يعتبر ضمانا عينيا كونه يرد على حق
، وهذه األخيرة لم تعد غاية في حد ذاتها فقط، وإنما أضحت 37 عيني أصلي وهو حق الملكية
وسيلة لتحقيق غاية أخرى وهي الضمان، وباعتبار أن جوهر عقد البيع يقوم على نقل هذا الحق
من البائع إلى المشتري، وال يتصور بيع دون نقل الملكية، فإن شرط االحتفاظ بها يوفر الضمان
33
محمد حسين منصور، شرط االحتفاظ بالملكية، م س، ص 320.
34
أسيل ناظم محمد، الطبيعة القانونية لشرط االحتفاظ بالملكية على سبيل الضمان، م س، ص 165.
35
أسيل ناظم محمد، الطبيعة القانونية لشرط االحتفاظ بالملكية على سبيل الضمان، م س، ص 166.
36
نبيل إبراهيم سعد، الضمانات غير المسماة، دار الجامعة الجديدة للنشر، االسكندرية 2006، ص 14.
نظم المشرع المغربي حق الملكية بموجب مدونة الحقوق العينية تحت رقم 39.08 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 37 178.11.1
صادر في 25 من ذي الحجة 22( 1432 نوفمبر 2011(، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 27 ذو الحجة 24( 1432 نوفمبر
.5587 صفحة ،)2011
للمزيد من التفاصيل حول حق الملكية، انظر عبد الرزاق احمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الثامن، حق الملكية،
دار النهضة العربية، القاهرة 1967، ص 493.
10
لحق البائع في الثمن، وعليه فهو ضمان عيني ذو طابع إرادي يخضع التفاق األطراف على
إنشائه فيما بينهم مسبقا.
ثالثا: الطبيعة المركبة لشرط االحتفاظ بالملكية
يكشف الوقوف على النظريات الفقهية التي حاولت تحديد الطبيعة القانونية للبيع مع شرط
االحتفاظ بالملكية، عن صعوبة إضفاء التكييف القانوني المناسب له، وهو ما دفعنا إلى العودة
إلى النص القانوني، وكذا ما أنجز من أشغال في سبيل إخراجه إلى حيز الوجود، فالبرجوع إلى
تقرير لجنة المالية والتنمية االقتصادية حول مشروع القانون رقم 21.18 المتعلق بالضمانات
المنقولة، والذي تم إعداده عقب االنتهاء من دراسة المشروع، حيث عرفت المناقشة التفصيلية
، والتي انصبت على نصوص القانون 38 تسجيل عدد من المالحظات والشروحات والتفسيرات
أعاله، وتحديدا ما يتعلق بالبيع مع االحتفاظ بالملكية نجد أنه تم إدراجه ضمن ضمن
االصالحات التي عرفها الرهن، فبعد أن تم توسيع مجال الرهن بدون حيازة تم إقرار عمليات
تعتبر في حكم الرهن بدون حيازة، ومن بينها البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية.
وبالتبع يمكن القول أن البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية، هو عقد ذو طبيعة خاصة يرتبط
ارتباطا وثيقا بالدور المنوط به، والمتمثل في إتاحة اإلمكانية للممولين لمنح تسهيالت في أداء
قيمة المنقوالت وتعزيز ضماناتهم في األداء، وذلك عن طريق وقف نقل ملكية الشيء المبيع إلى
حين األداء الكامل للثمن، وعليه يكون المشرع أضاف للترسانة القانونية المتعلقة بالضمانات
التمويلية خصوصا للمقاوالت ذات الطابع المتوسط، ضمانة جديدة أخذت بها التشريعات
المقارنة منذ القدم، والتي من شأنها أن توفر بال شك سبل تحقيق االشعاع االقتصادي على
المستويين الدولي والوطني، وذلك لمواكبة االفرازات االقتصادية وتطويع نظام قانوني كفيل
بمسايرتها.
المحور الثاني: شروط انعقاد البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية وآثاره
شرط االحتفاظ بالملكية ما هو إلى نتاج لمجموعة من التطورات التي فرضتها الحياة
العملية والعلمية، حيث أضحى هاجس البحث عن وسيلة لضمان تنفيذ االلتزام هو مسعى كل
التشريعات الحديثة، إذ تمكن من خاللها هذه الوسائل، مواجهة المخاطر التي تهدد أحد مراكز
العقد على رأسها عدم الوفاء بااللتزامات، وفي نفس السياق تبلور حماية قانونية تستجيب
للتقلبات والتطورات االقتصادية المتسارعة في الميدان التجاري.
38
تقرير لجنة المالية والتنمية االقتصادية، المناقشة التفصيلية لمشروع قانون رقم 21.18 المتعلق بالضمانات المنقولة، م س، ص 67.
11
وعليه فإن قانون الضمانات المنقولة أحاط البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية، بسياج من
الشروط )الفقرة األولى( وذلك حتى يرتب آثاره القانونية )الفقرة الثانية(.
الفقرة األولى:شروط بيع المنقول مع شرط االحتفاظ بالملكية
للحديث عن الشروط الواجب توافرها لتمام البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية، نجد أن
، ذلك أن بيع العقرات شرط االحتفاظ 39 دون العقارات40 المشرع قد حصره في نطاق المنقوالت
بملكيتها خارج عن نطاق تطبيق القانون المتعلق بالضمانات المنقولة، وذلك لعدة اعتبارات أولها
هو التوجه من خالل هذا القانون بصفة حصرية إلى المقاوالت التي ال تمتلك إال األموال
المنقولة، ثانيها الرتباطه بالضمانات المنقولة دون الضمانات العقارية التي تبقى خاضعة
للنصوص التشريعية الخاصة بها، بخالف البيع العادي الذي يجوز أن ينصب على العقار
والمنقول معا، وبالتبع فإنه يشترط أن يكون المبيع منقوال، وذلك ليتأتى إخضاعه إلجراءات
الشهر الواردة بهذا القانون، والمتمثلة في التقييد بالسجل االلكتروني للضمانات المنقولة، وهذا
يجعل البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية ينصب على المنقوالت المادية من سلع وتجهيزات
ومعدات أو غيرها من األشياء، وكذلك على المنقوالت المعنوية كاألصل التجاري والقيم
المنقولة من سندات وأسهم وغيرها، والمشرع المغربي اقتصر في تنظيمه للبيع مع االحتفاظ
، وذلك تماشيا مع نطاق تطبيق القانون رقم 21.18 كما 41 بالملكية على المنقول دون العقار
أسلفنا آنفا، وباعتبار أن العقد شريعة المتعاقدين فإن ذلك ال يمنع من اللجوء الى االحتفاظ
بالملكية على سبيل الضمان في البيوع العقاريةدون أن يخضع للقانون موضوع الدراسة.
وقد استهل المشرع في ظل الفصل 618-21 الحديث عن كيفية انعقاد البيع مع شرط
االحتفاظ بالملكية، حيث اعتبر أنه يمكن االتفاق على وقف نقل ملكية الشيء المبيع، بموجب
شرط االحتفاظ بالملكية، إلى حين األداء الكامل للثمن، واالتفاق كما هو تعبير عن إرادتين أو
والمنقول كما هو معلوم هو كل ما يمكن نقله من مكانه دون حدوث تغيير في هيأته، انظر عبد الرزاق احمد السنهوري، الوسيط في 39
شرح القانون المدني، الجزء الثامن، حق الملكية، م س، ص 63.
ذلك أن عنوان الفرع جاء كاآلتي "بيع المنقول مع شرط االحتفاظ بالملكية"، وقد اعتبر البعض أنه ما من مانع يمنع من أن ينصب هذا 40
النوع من البيوع االئتمانية على العقارات خصوصا وأنه توجد بعض التطبيقات التي تتقاطع مع شرط االحتفاظ بالملكية، كبيع العقار في
طور اإلنجاز.
- محمد السكتاني، عرض حول "مجاالت إعمال الضمانات المنقولة والقواعد الخاصة بالرهون"، ألقي بندوة نظمتها غرفة التجارة
والصناعة والخدمات لجهة الرباط سال القنيطرة، بتاريخ 25 يونيو 2019.
مع العلم أن هناك تطبيقات لالحتفاظ بالملكية في الميدان العقاري، نذكر منها على سبيل المثال بيع العقارات في طور اإلنجاز، والذي 41
نظمه المشرع بموجب القانون رقم 44.00، المعدل والمتمم بموجب القانون رقم 107.12، من خالل الفصول 618 المكررة 20 مرة، إذ
يعتبر حسب المادة 1-618 بيعا لعقار في طور اإلنجاز كل اتفاق يلتزم بمقتضاه البائع بإنجاز عقار داخل أجلمحدد ونقل ملكيته إلى
المشتري مقابل ثمن يؤديه هذا األخير تبعا لتقدم األشغال، يحتفظ البائع بحقوقه وصالحياته باعتباره صاحب المشروع إلى غاية انتهاء
األشغال.
12
، مجموعة من األركان 43 ، ويشترط النعقاد االتفاق أو العقد 42 أكثر إلنشاء التزام قانوني معين
التي نص عليها الفصل الثاني من قانون االلتزامات والعقود، وهي األهلية لاللتزام، وتعبير
صحيح عن اإلرادة يقع على العناصر األساسية لاللتزام، وشيئ محقق يصلح أن يكون محال
لاللتزام ثم سبب مشروع لاللتزام.
ولما كان األصل في العقود واالتفاقات أنها رضائية، بمعنى أنها تنعقد وترتب آثارها
القانونية بمجرد حصول التراضي، أي بصدور اإليجاب والقبول وتطابقهما تمام المطابقة، فإن
المشرع وعلى غرار أغلب التشريعات اشترط في عقود بيع المنقول مع شرط االحتفاظ
، إال أن المشرع لم يوضح 44 بالملكية، أنه يجب أن يتم االتفاق على شرط االحتفاظ بالملكية كتابة
طبيعة الكتابة المتطلبة في العقد موضوع الدراسة، األمر الذي يدفعنا إلى القول أنه يبقى
، أو حتى بواسطة أي وثيقة أخرى 45 لألطراف االختيار بين أن يكون العقد رسميا أو عرفيا
تصلح أن تكون دليال كتابيا، طالما أن عبارة الكتابة الواردة في الفصل أعاله جاءت بصيغة
العمومية، وأما عن دور الشكلية في النص الذي بين أيدينا فهي شكلية انعقاد، وذلك وذلك ما
نستشفه من صيغة الوجوب التيورد بها النص، ويمكن في اعتبارها شكلية اثبات في آن واحد،
خصوصا وأن ذلك يفيد في تفادي ما يمكن أن يحدث من نزاعات بين األطراف.
ولما كان المشرع قد اشترط الكتابة النعقاد االتفاق على بيع المنقول مع شرط االحتفاظ
بالملكية، فإنه اعتبر أن ذلك االتفاق ال يكتسي الحجية القانونية تجاه األغيار، إال بعد تقييده في
، 46 السجل الوطني اإللكتروني للضمانات المنقولة المحدث بموجب التشريع الجاري به العمل
وهو ما تؤكده الفقرة األخيرة من الفصل 618-21 السالف ذكره، وبالتبع فإنه ال يمكن االحتجاج
عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء األول، ص 137 وما يليها. 42
إذا كان المشرع المغربي في إطار ق ل ع ال يقيم أي فرق بين االتفاق والعقد ويعتبرهما شيئا واحدا، فإنه يميز الفقهاء بين االتفاق والعقد 43
معتبرين أن األول أعم من الثاني، حيث أن العقد جنس من االتفاق، وهناك أيضا من الفقه الفرنسي من يستعمل مصطلح التعهد الذي يعد
أضيق نطاق من االتفاق، ولعل هذا التمييز يرجع إلى اآلثار القانونية التي يمكن أن يرتبها كل من االتفاق والعقد، فاألول قد ينشأ من دون أن
يحدث أثرا قانونيا، بينما الثاني يقتصر على إنشاء التزام فحسب، وللتفصيل أكثر في هذه النقطة يمكن الرجوع إلى:
- مأمون الكزبري، نظرية االلتزامات في قانون االلتزامات والعقود، الجزء األول، ص 28 وما يليها.
- عبد القادر العرعاري، نظرية العقد دراسة مقارنة على ضوء التعديالت الجديدة، ص 30 وما يليها.
وهو ما اشترطه أيضا القانون المدني الفرنسي: 44
Art 2368 C.Civ:" La réserve de propriété est convenue par écrit".
االثبات قد يكون بالكتابة وقد يكون بالوسائل األخر المنصوص عليها في الفصل 404 من ق ل ع وهي كل من اإلقرار وشهادة الشهود 45
والقرائن وكذا اليمين، وقذ نظم المشرع الكتابة في القسم السابع من الكتاب األول من قانون االلتزامات والعقود، وذلك في الفصول 416 إلى
442، واالثبات بالكتابة إما يتم عن طريق الورقة الرسمية أو الورقة العرفية، وإما عن طريق محررات أخرى تكون بمثابة دليل كتابي.
للتفصيل أكثر حول وسائل اإلثبات انظر:
- إدريس العلوي العبدالوي، وسائل اإلثبات في التشريع المدني المغربي، مطبعة فضالة، المحمدية 1977.
"وهو ما أغفله المشرع الفرنسي األمر الذي اعتبر ثغرة قانونية كان يمكن تجاوزها سيما وأن لجنة Grimaldi التي أعدت مشروع 46
التأمينات كانت قد تنبهت لذلك واقترحت بصفة صريحة إخضاع هذا الشرط لنظام شهر إجباري".
انظر: محمد العلواني، التأمينات العينية المنقولة في القانون المدني الفرنسي، م س، ص 108.
13
، مع 47 بالبيع مع االحتفاظ بالملكية المنصب على المنقول إال بعد اتباع إجراءات الشهر القانوني
ما يترتب عن ذلك من حماية سواء لمصلحة األطراف بحفظ حقوق كل منهم، وكذا حماية الغير
من خالل تمكنه من معرفة الوضعية القانونية للمنقوالت التي تكون محل البيع، مع األخذ بعين
االعتبار المسؤولية القانونية التي يتحملها الطرف الذي يقوم بالتقييد، عن البيانات التي يدلي بها
لدى السجل المذكور.
الفقرة الثانية: آثار بيع المنقول شرط االحتفاظ بالملكية
تكمن أهمية شرط االحتفاظ بالملكية في نطاق المعامالت االئتمانية، باعتبارها آلية
، وباعتباره ضمانة ائتمانية جاء بها المشرع المغربي، من شأنها 48 لضمان الوفاء بحقوق الدائنين
أن تحقق للمقاوالت سهولة الولوج إلى التمويل، ثم كذلك طمأنة الدائنين حول أداء ديونهم، وذلك
من خالل ما توفره من ائتمان، وحركية لرؤوس األموال وتداول للسلع والتجهيزات، والذي
ينعكس إيجابا على تحقيق الرواج االقتصادي، وكذا توطيد أسس االئتمان التي تقوم عليها حياة
المال واألعمال، وبالتبع فإن هذا العقد يرتب مجموعة من اآلثار القانونية من األهمية بمكان،
وهذه األخيرة التي تختلف بحسب ما إذا تم الوفاء بالثمن من عدمه، وعليه نتطرق إلى الحاالت
المتعلقة بأداء ثمن األشياء المنقولة )أوال(، ثم نتطرق إلى الحاالت المتعلقة بالتصرف في الشيء
المنقول )ثانيا(، وهو األمر الذي يستتبع بالضرورة الوقوف عنده بشيء من التفصيل.
أوال: الحاالت المتعلقة بأداء ثمن األشياء المنقولة
باعتبار أن البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية، يشكل نوعا من البيوع االئتمانية التي تسعى
إلى ضمان أداء الثمن المستحق من جهة، وتوفير فرص الحصول على التمويل المادي من جهة
أخرى، فإن ذلك يتطلب الثقة التي تضطلع بها المعامالت المالية، ومن ثم فإنه تكريسا لهذه الثقة
فإنه يتعين أداء الثمن وفق الشروط المتفق عليها بين األطراف وقد تطرق المشرع لحاالت من
الوفاء نتطرق لها تباعا.
1- حالة األداء الجزئي لثمن األشياء المنقولة:
ينص الفصل 618-22 على أنه "يترتب عن األداء الجزئي لثمن بيع األشياء القابلة
لالستهالك، االنقضاء الجزئي لشرط االحتفاظ بملكية هذه األشياء، وذلك في حدود الثمن
المؤدى، ما لم يشترط غير ذلك"، ويتحدث هذا النص عن أداء المشتري لجزء من ثمن األشياء،
فاألداء الجزئي حسب النص أعاله يرتب االنقضاء الجزئي أيضا لشرط االحتفاظ بملكية
تنص الفقرة األخيرة من الفصل 618-21 من ق ل ع المعدل بالقانون 21.18 على "يحتج بهذا البيع في مواجهة الغير عن طريق التقييد 47
في السجل الوطني اإللكتروني للضمانات المنقولة المحدث بموجب التشريع الجاري به العمل".
48
محمد العلواني، المالمح الجديدة للتأمينات العينية المنقولة في القانون المدني الفرنسي، م س، ص 100.
14
األشياء، وبالتبع فإننا نستشف أن المشرع تعامل بنوع من المرونة مع طبيعة هذا النوع من
البيوع، فكلما أدى المشتري قسطا من الثمن كلما تالشى حق االحتفاظ بملكية األشياء بالنسبة
للبائع، واألصل كما هو معلوم هو الوفاء الكلي بااللتزامات، إال أن ذلك ال يمنع من االتفاق على
تجزيء الوفاء به إن كان يحتمل ذلك، فالمشرع وسع من هامش الحرية التعاقدية بالنسبة
لألطراف، وإذا كان قد تحدث عن الوفاء الجزئي، فإنه عاد وأكد في الفقرة األخيرة من الفصل
أعاله، أن ذلك ما لم تذهب إرادة األطراف بخالفه، ففي الحالة هاته يتعين أن يتم األداء كليا لثمن
األشياء محل العقد.
2- حالة عدم أداء ثمن األشياء المنقولة:
قد يحصل أن ال يؤدي المشتري ما بذمته من ثمن األشياء المنقولة، فإن المشرع نص في
إطار الفرع المتعلق ببيع المنقول شرط االحتفاظ بالملكية أنه إذا لم يتم أداء الثمن كامال عند
، وهو أمر طبيعي يرجع في أساسه وجوهره 49 االستحقاق، يجوز للبائع استرجاع الشيء المنقول
إلى كون الدائن في هذه الحالة يعد مالكا للمال المنقول المطالب باسترداده الحتفاظه بملكيته، مما
50 يجنب الدائن الدخول في حالة التزاحم مع باقي الدائنين لحظة استيفاء الحقوق
.
وبالتبع فعدم األداء سواء أكان كليا أو جزئيا، فإن المشرع خول للبائع إمكانية استرجاع
األشياء من حوزة المشتري، وقد حدد المشرع في ذات الفصل طرق االسترجاع، هذا األخير
الذي قد يكون اتفاقيا، إذ يمكن والحالة هذه استرجاع الشيء المنقول وفق الشروط المتفق عليها
بين الطرفين، وذلك في إطار الحرية التعاقدية المخولة لألطراف، وإما أن يكون هذا االسترجاع
قضائيا وذلك عند تعذره اتفاقيا، حيث يتعين على البائع أن يستصدر أمرا قضائيا بإرجاع هذا
الشيء، وقد جعل المشرع الختصاص ينعقد لرئيس المحكمة، بصفته قاضيا لألمور المستعجلة،
بإصدار األمر بإرجاع الشيء المنقول بعد معاينة واقعة عدم األداء.
لكن ما يعاب على النص هو تحدثه عن إمكانية االسترجاع دون التنصيص على مكنة
التعويض، فاألشياء القابلة لالستهالك كيف السبيل إلى استرجاعها إن تم استهالكها، ثم كذلك
األشياء المنقولة التي ال تستهلك بشكل آني، فإنها حتما تفقد قيمتها في السوق مع مرور الزمن،
لكون أن المشتري يكون قد استغلها خالل فترة االحتفاظ بملكيتها واستعملها لصالحه، وبالتبع
انظر الفصل 618-24 من قانون االلتزامات والعقود المعدل والمتمم بالقانون رقم 49 ،21.18
وتجدر اإلشارة أن هذا النص يقابله في القانون المدني الفرنسي الفصل 2371:
Art 2371 C.Civ : "A défaut de complet paiement à l'échéance, le créancier peut demander la restitution du
bien"
50
محمد العلواني، المالمح الجديدة للتأمينات العينية المنقولة في القانون المدني الفرنسي، م س، ص 100.
15
نالحظ على النص القانوني عدم تحدثه عما يمكن أن يترتب من آثار، في الحالة التي ال يكون
فيها لالسترجاع محل أو يكون فيها هذا األخير في غير صالح البائع.
ثانيا: حالة التصرف في الشيء المنقول
قد يحصل أن يتم التصرف من طرف المشتري باألموال المنقولة قبل سداد الثمن المتفق
عليه في العقد، فالمشرع المغربي في إطار تنظيمه لعقد البيع مع شرط االحتفاظ بالملكية، تعامل
بنوع من الليونة فيما يتعلق األشياء المنقولة إذا سمح للمشتري أن يتصرف بالمبيع ببيعه مرة
، وذلك ما يكفل تحقيق الغاية المنشودة من البيع مع االحتفاظ 51 أخرى ولو قبل أدائه الثمن
بالملكية كوسيلة للتمويل، خصوصا وأن إيقاف التصرف من شأنه أن يجعل المشتري عاجزا
عن تحقيق مآرب مقاولته بواسطة تلك األشياء المنقولة.
غير أن تفويت المشتري للمنقوالت ببيعها، يرتب أثرا هاما، فبالرجوع إلى الفصل 25-
618 نجده ينص على أنه "في حالة قيام المشتري ببيع الشيء المنقول، تصبح حقوق البائع
األول في استيفاء ما تبقى من دينه قائمة في ثمن البيع، أو في التعويض الذي ستؤديه شركة
التأمين للمشتري، عند االقتضاء"، مما يستشف معه أنه إذا ما قام المشتري ببيع المنقول محل
العقد، فإن البائع يحتفظ بحقه في الرجوع على المشتري –باعتباره بائعا ثانيا- بما تبقى له من
حقوق في ثمن البيع، وهي إشارة من المشرع على أن االحتفاظ بالملكية ال يوقف التصرف فيها
من طرف المشتري، وإنما يمكنه ذلك في مقابل ترتيب حقوق البائع في األداء على ما يستوفيه
، وهنا يكون هذا العقد قد ساهم في حل معضلتين، األولى تتجلى 52 المشتري من ثمن البيع الثاني
في حل إشكالية التمويل التي كانت تعترض المقاولين الصغار في الحصول على التمويل،
والثانية في ضمان اإلمكانية للتصرف في األموال المنقولة بما يخدم مصالحهم االقتصادية.
كذلك قام المشرع بالتنصيص على مسألة في غاية األهمية ترتبط بالمنقوالت ذات الطابع
االستهالكي، وهي كل األشياء التي تستهلك باستعمالها أو استغاللها، حيث نص الفصل 26-
618 أنه "يمارس حق ملكية األشياء القابلة لالستهالك، في حدود الدين الذي ال يزال مستحقا،
بخالف المشرع المصري الذي تعامل بقسوة مع طبيعة هذا العقد حيث نص الفصل 466 من قانونه المدني على أنه "إذا باع شخص شيئا 51
معينا بالذات وهو ال يملكه، جاز للمشتري أن يطلب إبطال البيع، ويكون األمر كذلك ولو وقع البيع على عقار، سجل العقد أو لم يسجل،
وفي كل حال ال يسري هذا البيع في حق المالك للعين المبيعة، ولو أجاز المشتري العقد".
للتوسع أكثر انظر: محمد حسين منصور، شرط االحتفاظ بالملكية، م س، ص 96.
وتجدر اإلشارة أن المشرع الفرنسي ال يتحدث عن جواز بيع األموال المحتفظة بملكيتها، بل تطرق إلى الحالة التي يتم فيها تفويت 52
الملكية إلى الغير حسن النية، ففي الحالة هذه يتعطل الحق في االسترداد العيني للبضاعة، بل يبقى للبائع األول الحق في استرداد الثمن فقط
من المشتري البائع الثاني، وهو ما ينص عليه القانون المدني الفرنسي:
Art 2372 C.Civ:Le droit de propriété se reporte sur la créance du débiteur à l'égard du sous-acquéreur ou
sur l'indemnité d'assurance subrogée au bien.
16
، 53 على األشياء التي بحوزة المشتري أو لحسابه والتي تكون من نفس النوعية ونفس الجودة"
وبذلك يحتفظ البائع بحقين، األول حق الملكية على األشياء التي الزالت لم تستهلك بعد، والثاني
يرتبط بالحق في األداء بالنسبة لألشياء التي تم استهالكها، على أنه يظل محتفظا بحق الملكية
على األشياء المستهلك إن قامت مقامها أشياء أخرى من نفس النوع والجودة.
كما أن الطبيعة الخاصة التي تتسم بها األعمال التجارية، فإنه قد يتم شراء مجموعة من
السلع التي يمكن أن تكون محل إدماج، وعليه فقد اعتبر المشرع في ظل الفصل 618-23 أنه
"ال يحول إدماج األشياء المنقولة الخاضعة لشرط االحتفاظ بملكيتها، مع أشياء أخرى، دون
، ومن تم 54 تمتع الدائن بحق الملكية، شريطة إمكانية فصل هذه األشياء دون إحداث ضرر بها"
فإن المشرع اعتبر أن حق ملكية المنقول ثابت بحكم القانون بالرغم من اتحادها مع أشياء
، فإن 55 أخرى، غير أنه إذا كان من شأن فصل هذه األشياء سيسفر عنه حدوث ضرر بها
المشرع لم يتحدث عن اآلثار الممكن ترتيبها، وبالتبع يمكن القول بصدد هذه النقطة، أنه يمكن
في حالة عدم األداء من طرف المشتري، وكان من شأن االسترجاع الذي سيؤدي إلى االنفصال
بين األشياء وبالتبع حصول ضرر للمشتري، فإنه يمكن اللجوء إلى وسائل تحقيق الضمانات
المقررة في هذا القانون قصد الحصول على الحق في األداء دون إمكانية استرداد األشياء.
على امتداد خطوات هذه األسطر، يمكن القول أن إقرار البيع شرط االحتفاظ بالملكية
يشكل خطوة تشريعية جريئة لمن شأنها أن تساهم في إحياء المقاوالت الصغرى والمتوسطة
عبر تمكينها من الولوج إلى وسائل التمويل المتاحة لديها، وذلك عبر تحفيزهامن خالل
إستحداثضمانات جديدة متعددة األغراض والصور، بحسب ما يحتاجه المجتمع االقتصادي
المغربي اليوم، ثم إن ذلك التشجيع سوف لن يقتصر على المقاوالت الضخمة ذوي الثروات، بل
إنه كذلك يشمل حتى الطبقة المتوسطة والصغرى منها، وذلك عبر مجموعة من األفكار
الحديثة، التي تقوم على فكرة "ديموقراطية التمويل".
يقابله في القانون المدني الفرنسي: 53
Art 2369 C.Civ: «La propriété réservée d'un bien fongible peut s'exercer, à concurrence de la créance
restant due, sur des biens de même nature et de même qualité détenus par le débiteur ou pour son
compte».
والمالحظ أن النص جاء متطابقا إلى حد ما مع النص المدني الفرنسي: 54
Art 2370C.Civ: « L’incorporation d’un meuble faisant l’objet d’une réserve de propriété à un autre bien
nefait pas obstacle aux droits du créancier lorsque ces biens peuvent être séparés sans subir de dommage
».
وهذا اإلندماج أو االلتصاق قد يتخذ صورة إلحاق بضاعة منقولة بمنقول آخر، كقطاع الغيار الذي يتم إلحاقه بآلة للتجهيز، إذ يترتب عن 55
فصلها عنها إلحاق ضرر باآللة وبالتبع بالمقاولة ككل، وقد تكون البضاعة قد ألحقت بعقار كالمواد األولية للبناء، ففي الحالة هذه ال يمكن
فصل المواد عن البناء دون أن يترتب عن ذلك تلف به.
17
وإن تحقيق هذا الهدف النبيل لمن شأنه أن يعيد للمقاولة الصغيرة والمتوسطة دورها
الريادي في البالد على ضوء الرهان الذي تسعى جل الدول المتقدمة إلى كسبه من خالل إقرار
توازن اقتصادي بينها وبين المقاوالت ذات الطابع التمويلي الضخم، لتساهم جلها في تحقيق ما
يسمى باإلقالع االقتصادي.