الثلاثاء، 21 ديسمبر 2021

جريمة استغلال النفوذ

 

جريمة استغلال النفوذ

 

تعد جريمة استغلال النفوذ من الجرائم الاقتصادية وذلك لأنها تتصل بالأموال التي تشكل عصب الاقتصاد في الدولة، حيث تؤثر هذه الجريمة على استقرار الحياة السياسية والاقتصادية للدولة، لذلك تضافرت الجهود الدولية على سنّ قوانين لمكافحة هذه الجريمة وفرضت عقوبات شديدة للحد من ارتكابها, ومن ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والتي اعتمدت من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في 31 أكتوبر 2003 بموجب قرار الجمعية العامة رقم 58/4 حيث نصت الاتفاقية حول جريمة استغلال النفوذ في المادة 18 منها.

 

الفرع الأول: تعريف جريمة استغلال النفوذ

 

على الرغم من أن القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية والسوابق القضائية لم تورد تعريف موحد لجريمة استغلال النفوذ, إنما عرفها فقهاء القانون الجنائي على أنها “اتجار الجاني بنفوذه الحقيقي أو المزعوم بأخذه أو طلبه أو قبوله مقابل أو فائدة ما من صاحب المصلحة نظير حصوله على أو محاولة حصوله على مزية معينة من السلطة العامة لفائدة الأخير باستخدام هذه النفوذ، وهنا لا تكون المصلحة المطلوبة من الموظف داخلة ضمن اختصاصه الوظيفي وإنما يقوم بالتأثير على موظف أخر للقيام بالمصلحة المطلوبة وهنا لا يشترط دائماً أن يكون مستغل النفوذ موظفاً إنما قد يكون عضواً في مجلس نيابي عام أو شخصاً عادياً من عامة الناس وله نفوذ على أحد الموظفين العامين يستمده من صلة قرابة أو صداقة أو غيرها من العلاقات الشخصية التي تبنى على أساس المصالح المشتركة.

 

الفرع الثاني: علة التجريم في جريمة استغلال النفوذ

 

إن هدف المشرع الجزائي من تجريم استغلال النفوذ هو حماية وضمان حسن سير الإدارة العامة بانتظام انطلاقاً من مبدأ تحقيق المصلحة العامة وهذا لا يحصل إلا إذا كانت تصرفات الإدارة العامة محصنة من الخضوع للضغوط أو الإكراه أو المؤثرات من أي نوع كانت, حيث أن علة التجريم هي الإساءة إلى الثقة في الوظيفة العامة، وبالتالي فإن هذه الجريمة تسيء إلى دولة القانون والمؤسسات والتي تسعى الدول لتبنيها .

 

 الفرع الثالث: صور جريمة استغلال النفوذ

 

الصورة الأولى: استغلال الفرد العادي لنفوذه على الموظف العام.

الصورة الثانية: استغلال الموظف العام لنفوذه الوظيفي على موظف عام أخر ليس تحت إمرته.

الصورة الثالثة: استغلال العضو النيابي في البرلمان لنفوذه على الموظف العام أو نفوذه كنائب في حدود وظيفته.

 

الفرع الرابع: جريمة استغلال النفوذ في النظام القانوني الفلسطيني

 

لم ينص قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 على جريمة استغلال النفوذ بنص خاص تحت مسمى جريمة استغلال النفوذ إنما نص على أحكام هذه الجريمة تحت مسمى “جريمة الحصول على منفعة شخصية والاتجار الغير مشروع” وفقاً لأحكام المادة 176 منه, وعاقب عليها بالحبس من 6 أشهر إلى سنتين وبغرامة مالية لا تقل عن عشرة دنانير أردني, وهي تعتبر من جرائم الجنح.

               

الفرع الخامس: الفرق بين جريمة استغلال النفوذ وجريمة الرشوة

 

تختلف جريمة استغلال النفوذ عن جريمة الرشوة على النحو التالي:

  1. تنطوي جريمة استغلال النفوذ على معنى الاتجار بالنفوذ بينما تنطوي جريمة الرشوة على معنى الاتجار بالوظيفة العامة ذاتها.
  2. ترتكب جريمة استغلال النفوذ من قبل موظفين عموميين أو أشخاص عاديين على موظفين عموميين سواء داخل أو خارج اختصاصهم الوظيفي أو المكاني أو الزماني بينما ترتكب جريمة الرشوة من قبل موظفين أو أشخاص عاديين على موظفين عموميين فقط داخل وفي حدود اختصاصهم الوظيفي والمكاني والزماني.

 

الفرع السادس: الفرق بين جريمة استغلال النفوذ وجريمة الإستثمار الوظيفي

 

تختلف جريمة استغلال النفوذ عن جريمة الاستثمار الوظيفي على النحو التالي:

  1. يتحقق الفعل المادي في جريمة استثمار الوظيفة عند قيام الموظف بالغش في إدارة أو بيع أو شراء أموال للدولة بحكم وكالته عن الدولة, بينما يتحقق الفعل المادي في جريمة استغلال النفوذ عن قيام الموظف بقبول أو بطلب الفاعل نفسه أو لغيره أو أخذ وعداً أو عطية تذرعاً بنفوذه الحقيقية أو المزعومة.
  2. في جريمة استغلال النفوذ يكون ما وصل للجاني من يد صاحب المصلحة على سبيل العوض, بينما في جريمة استثمار الوظيفة يقوم الموظف بارتكاب الجريمة بهدف الحصول على أموال بحكم إدارته للمال سواء المنقول او العقار ودون تدخل من شخص ثالث أو شريك فهو يرتكبها لوحده دون تدخل من أحد.

 

الفرع السابع: أركــــان جريمة استغلال النفوذ

 

تعتبر جريمة استغلال النفوذ كغيرها من الجرائم تتطلب اجتماع أركان الجريمة الثلاثة العامة وهي الركن المادي والركن المعنوي والركن الشرعي بالإضافة إلى ركن رابع خاص بجريمة استغلال النفوذ وهو الركن المفترض, وتتألف أركان جريمة استغلال النفوذ على النحو التالي:

 

الركـــن الأول: الركن المفترض في جريمة استغلال النفوذ (ركن النفوذ لدى الموظف العام)

ركن النفوذ هو أساساً مميزاً لهذه الجريمة حيث لا تقع الجريمة بدونه، وتُعرَف النفوذ وفقاً لأراء الفقهاء والقضاء على أنه “هو أن يكون للشخص مركز اجتماعي أو وظيفي أو صلات بآخرين ووزن يمكن من خلالهم التدخل للثقل والضغط على العاملين في أجهزة الدولة أو على بعضهم لتنفيذ مشيئته”,

وتقسم أنواع النفوذ إلى :

  1. النفوذ الحقيقي: وهي عندما يتمتع الفاعل بسلطة يستمدها إما من الوظيفة العامة أو من صفته السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.
  2. النفوذ المزعوم “النفوذ الموهوم”: الزعم بالنفوذ يعني قيام قرائن قوية لدى صاحب المصلحة أن الفاعل يتمتع بنفوذ على الموظف العمومي المختص.

 

الركـــن الثاني: الركن المادي في جريمة استغلال النفوذ

ويتألف السلوك الإجرامي لجريمة استغلال النفوذ من عنصرين مجتمعين وهما:

  • العنصر الأول “النشاط الإجرامي” : ويتمثل في الطلب أو القبول أو الأخذ

حيث يعرف الطلب على أنه إفصاح عن رغبة أو تعبير عن إرادة وينطوي على حث صاحب المصلحة بتقديم المقابل أو الوعد به,

ويُعرًف القبول على أنه سلوك يصدر عن الفاعل يُعبر فيه عن موافقته بشأن الإيجاب الصادر من صاحب المصلحة المتضمن عرضاً بالدفع المؤجل نظير سعي الفاعل بنفوذه لدى السلطات المختصة العامة,

ويُعرَف الأخذ على أنه سلوك مادي بحت يتسلم بموجبه الفاعل المقابل, وينقله إلى حيازته وتتحقق الجريمة سواء أخذ الفاعل العطية لنفسه أو لغيره.

  • العنصر الثاني “هدف النشاط الإجرامي” : وتتمثل بالفائدة

حيث أنه يتمثل هدف النشاط الإجرامي في جريمة استغلال النفوذ في حصول أو محاولة الحصول من السلطة العامة على مزية ما لصاحب المصلحة، ومثال على المزية ” صدور قرار من السلطة العامة بتعيين شخص في وظيفة ما”.

 

الركـــن الثالث: الركن المعنوي في جريمة استغلال النفوذ

تعتبر جريمة استغلال النفوذ من الجرائم العمدية التي يتطلب قانوناً لقيامها توافر القصد الجنائي العام لدى مستغل النفوذ, حيث أن جريمة إستغلال النفوذ لا تقع بطريق الخطأ أو الإهمال،

وتتألف أركان القصد الجنائي العام من عنصري العلم والإرادة,

ويتمثل العلم في علم مستغل النفوذ بأركان وعناصر الجريمة المرتكبة أي علم الجاني بأن لديه نفوذ ويستغلها بطريقة غير مشروعة من أجل تحقيق مصلحة خاصة فوق المصلحة العامة كما يتمثل العلم في علم الجاني بأن هذا الفاعل هو موظف عام وأن أفعال الضغط والتأثير عليه سوف تؤدي إلى تحقيق النتيجة الجرمية المنشودة,

كما ويتمثل عنصر الإرادة في انصراف إرادة الجاني “مستغل النفوذ” نحو تحقيق النتيجة الجرمية المتمثلة في تحقيق المصلحة الخاصة والتي يسعى لها من خلال قيامه بالأفعال المادية لجريمة استغلال النفوذ وأن الاتجار بالنفوذ هو وسيلته لتحقيق أهدافه.

 

بقلم المحامي: بيرم جمال غزال.

استقلالية القضاء الشرعي في المحاكم الشرعية

 

استقلالية القضاء الشرعي في المحاكم الشرعية

 

بعدل الله نقيم حياة بحاضرنا ولمستقبلنا الآتي، حتى يحقق القضاء رسالته العظمى وهدفه الأسمى وهو تحقيق العدل، والشعور بالأمان والاستقرار، والبعد عن الظلم لا بد من تحقيق مبدأ استقلالية القضاء، ولا يحقق ذلك إلا بقيامه على ركائز أساسية تدعم استقلال القضاء ومعنى ذلك أن لا يقع القضاة تحت تأثير سلطة معينة أو شخص- ذي مكانة في الدولة – تُسَّول له نفسه أو مكانته بالتدخل في القضاء واستخدام نفوذه في سبيل الضغط على القاضي بتهديده وهذا من شأنه أن ينحرف به عن هدفه الأساسي. وتحقق ذلك يكون بِبُعد القاضي عن التحيز والمحاباة لفريق دون الآخر، والأهم أنّ القاضي لا يُحّجر على عقله وفكره بل بالعكس جاء الإسلام ودّعم رأيه واجتهاده. وهناك مؤيدات تدعم وتتكفل بحماية مبدأ استقلال القضاء، ومنها الحماية الدستورية، والحماية الجزائية، فالاعتداء على هذا المبدأ يؤدي إلى الحيف والظلم، إلى أن يفقد الناس ثقتهم بعدالة القضاء وانطلاقهم إلى أن يأخذ ما قد يظن أنه حق له بيده.

أما عن تعريف القضاء: فتعددت تعريفات العلماء والفقهاء والقانونين في معناه، وإن تعددت ألفاظه فالمعنى الجامع له واحد، وأول ما يتبادر إلى الذهن عند سماعه يدرك الفاهم معنى العدل والحق والنزاهة والوزن بالقسطاس المستقيم، بعيداً عن الجور والظلم. وما أجمل من قوله تعالى في كتابه الكريم وآياته النورانية:( إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ  إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦ  إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) سورة النساء: 58.

فهذه الآية الكريمة تعتبر شعار القضاء في المحاكم الشرعية، وطريق العدل للحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى، وكل حكم بغير ما أنزل الله تعالى هو الضلال المبين. فالقضاء: جاء بمعنى إلزامٌ بالحكم، والفصل بين الناس عند الخصوم قطعاً للنزاع وحسماً للخلاف، بمقتضى الأحكام التي شرعها الله.

شهدت فلسطين حدثاً تاريخياً يسجل لها في قائمة الانجازات  في مستهل عام 2021م بشكل عام، وسلك قضائها الشرعي بدرجاته ومحاكمه (عليا- استئناف – بداية) على وجه الخصوص بإصدار قرار بقانون رقم (8/2021) خاص بها يدل على استقلال القضاء الشرعي في المحاكم الشرعية الفلسطينية من ناحية استقلال السلطة القضائية في دستور دولة فلسطين المعدل لسنة 2003م للمادة (43) منه لإعطاء الرئيس حق اصدار قرارات بقانون. وبصدور هذا القرار بقانون بمواده (70) والتي تشمل وتتعلق باستقلال منظومة القضاء الشرعي من ديوان قاضي القضاة وقضاته الشرعيون وجميع الدوائر التي تنظم عملها، تم إلغاء ما كان معمول به ومطبق وهو قانون تشكيل المحاكم الشرعية رقم 19/1972م، ويلغى أيضاً العمل بقرار قانون رقم 3/2012م بشأن القضاء الشرعي. ويسري العمل بهذا القرار بقانون بشكل رسمي بعد التصادق عليه ونشره رسمياً حسب الأصول.

مع العلم أن دولة فلسطين بدرجات محاكمها الشرعية تسري أحاكمها وقوانينها المعمول بها حالياً تبعاً للقوانين الأردنية في مناطق الضفة والقوانين المصرية في قطاع غزة؛ فهي تعتبر قاصرة وغير كافية لما جرى من تعديلات وتغيرات على أصلها بالدولة الأم لتواكب تطوراتها السريعة، فأصبحت لا تلبي الحاجة ولا تعبر عن الشخصية الوطنية الفلسطينية الخاصة بالقضاء الشرعي، وكان بالتأكيد خاصة على اهمية تحديث منظومة القوانين المنظمة لعمل القضاء الشرعي بما فيه قانون الأحوال الشخصية المستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية والمطبقة في المحاكم بدرجتها البدائية، والذي يعالج أهم وكافة القضايا الأسرية، من أجل الحفاظ على سلامة وأمن ومتانة الأسرة الفلسطينية من التفكك والانفصال.  

علماً أن فلسطين شهدت عدة محاولات لإصدار مشروع قانون قضائي شرعي خاص بها، وكان بدايتها في عام 2012 ولاحقاً تم الغاء بعضها، وتم اقتراح مشروع بقانون عام 2016، الى أن جاءت هذه الخطوة لتظهر نور الحق والعدل والشعور بالاستقلالية، فكان من الطبيعي أن يصدر أحكام وقوانين خاصة للقضاء الشرعي من باب النزاهة والاستقلالية، ليضاف الى الثروة الفقهية القانونية المكنوزة. فأصبح من الضرورات الملحة لإصدار قانون شرعي قضائي فلسطيني.

مكانة القضاء: إن فقه القضاء من أهم مجالات فقه الشريعة الإسلامية، ومن أسمى علومها قدراً وقيمةً، وأشرفها ذِكراً ومكانةً، وذلك لأن القضاء يمس حياة الناس، بإنصاف المظلوم، وإيصال الحقوق لأصحابها بالعدل والمساواة، بعداً عن الجور والظلم. وقد ظل تاريخ القضاء الإسلامي مزدهراً على مر العصور، وذلك من زمن الرسول- صلى الله عليه وسلم- مروراً بقضاء صحابته رضي الله عنهم جميعاً، ووصولاً إلى اجتهاد الفقهاء والعلماء بمذاهبهم المختلفة، استقراراً إلى زمننا هذا ليكون القضاء الشرعي مثالاً لتطبيق شريعة الله، وذلك كله؛ لأنه نظام رباني يستمد أحكامه ونظامه من التشريع الإلهي. ويشهد التاريخ بأسماء عريقة ارتبط اسمها بالقضاء الشرعي العادل والذي ما زال إلى يومنا هذا تتغنى أسمائهم وربطها بالعدل، تيمناً بإمام القضاة وسيدهم رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم-، وإلى رمز العدل الفاروق عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وإلى أمثال شريح القاضي وأبي يوسف، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم من الأعلام.  

استقلال القضاء من ناحية السلطة القضائية في دستور دولة فلسطين

تأكيد المادة (97) من القانون الأساسي المعدل على أن: ” السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، ويحدد القانون طريقة تشكيلها واختصاصاتها وتصدر أحكامها وفقاً للقانون، وتعلن الأحكام وتنفذ باسم الشعب العربي الفلسطيني”.

كما نصت الفقرة الاولى من المادة (101) من القانون ذاته على أن: ” 1- المسائل الشرعية والأحوال الشخصية تتولاها المحاكم الشرعية والدينية وفقاً للقانون”. وعليه فإن القانون الاساسي أكد على وحدة السلطة القضائية وفتح المجال لتنوع المحاكم واختصاصاتها بما يشمل المحاكم الشرعية، وهذا ما ينطبق مع سطور هذا المقال باستقلال القضاء الشرعي من باب النزاهة في الحكم، وحياده.

وأختم مقالي بكلمات الفاروق : ” لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك، وهديت لرشدك، أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل”.

 

بقلم المحامية الشرعية: أميرة عدنان دروبي

القتل الخطأ في القانون

 

القتل الخطأ في القانون

 

إن ازهاق روح إنسان وحرمانه من حقه في التمتع بحياته جريمة يعاقب عليها القانون، فقد يقوم شخص بفعل يشكل إعتداء على حياة غيره بقصد أو بدون قصد، فيكون هذا الشخص مسؤول جنائياً ومدنياً عن هذا الفعل، والقتل الخطأ مصطلح قانوني يختلف عن القتل العمد في عدم وجود القصد الجرمي عند وقوع الجريمة، وسنتطرق في هذا المقال ونوضح:

  • مفهوم القتل الخطأ وأركانه.
  • صور الخطأ في القانون.
  • التنظيم التشريعي لـ جريمة القتل الخطأ في القانون والشريعة الإسلامية.

 

أولاً – مفهوم القتل الخطأ و أركانه:

 

يعرف القتل الخطأ بأنه التسبب في موت أحد عن إهمال أو قلة إحتراز أو عدم مراعاة القوانين والأنظمة، ويشترك القتل المقصود مع القتل غير المقصود (القتل الخطأ) في محل الجريمة، وهي إنسان حي، وفي الركن المادي المتمثل في الفعل الاجرامي في الاعتداء على حياة المجني عليه والنتيجة الجرمية المتمثلة في وفاة المجني عليه وقت إرتكاب الجاني لفعله، والعلاقة السببية بينهما، ولا يوجد ركن معنوي في هذه الجريمة، حيث أن القصد الجرمي يتخذ صورة الخطأ إذ إن الجاني لا يلتزم بواجبات الحيطة والحذر التي يفرضها القانون، ونتيجة لعدم توقعه أي نتيجة لهذا التصرف بينما كان باستطاعته توقعها او توقعه نتيجة لفعله دون قبوله معتقداً أنها لن تحدث أو أنه بإمكانه تفاديها.

 

ثانياً – صور الخطأ في القانون:

 

حصرت المادة (343) من قانون العقوبات صور الخطأ بما يلي:

  • الإهمال: يتمثل في نشاط سلبي (ترك أو إمتناع) ويتميز الإهمال عن قلة الاحتراز في السلوك الايجابي، مثال ذلك: امتناع البلدية عن اصلاح سور معين آيل للسقوط ما يؤدي الى إنهياره على شخص والتسبب في وفاته، أو المالك الذي يتسبب في قتل إنسان لامتناعه عن وضع تحذير على الحفرة التي وضعها على الطريق العام.
  • قلة الإحتراز: حيث أن الجاني ينطوي عليه النشاط الايجابي، عندما يقدم على فعله وهو يعلم انه يمكن ان يترتب على فعله لخطورته آثار ضارة بالغير، ومع ذلك لا يتخذ من الاحتياطات ما يضمن درء المخاطر، مثال ذلك: قيام شخص باطلاق النار في مكان مرموق بالسكان عند حدوث مناسبة معينة، ما يؤدي الى وفاة أحد الأفراد مع توقعه انه لن يصيب اي شخص، او سائق السيارة الذي يقودها بسرعة بما يخالف ظروف المرور ما يؤدي الى اصطدام السيارة بشخص و وفاته.
  • عدم مرعاة القوانين والأنظمة: تتمثل في الامتناع عن تنفيذ القوانين والأنظمة على الوجه المطلوب مما يسبب المخالفة وان لم يترتب عليها ضرر في بعض الحالات ويطلق على هذا النوع من الخطأ (الخطأ الخاص)، حيث انه يتم فيه مخالفة أنظمة ولوائح تنفيذية صادرة عن السلطة التنفيذية، فيسأل عن النتيجة التي حصلت متى كانت مرتبطة بنشاطه برابطة السببية المادية، أما اذا انعدمت علاقة السببية بين بين نشاط المتهم وبين النتيجة الاجرامية فلا يسأل عنها، مثال ذلك: امتناع السائق عن تجديد اجازة القيادة، ثم يصدم احد المارة بسيارته ويقتله، ففي هذه الحالة تتم مسائلته عن جريمة القتل الخطأ، الناتج عن عدم مراعاة القوانين والانظمة.

 

ثالثاً – التنظيم التشريعي لجريمة القتل الخطأ في القانون والشريعة الإسلامية:

 

تنص المادة (343) من قانون العقوبات الاردني: “من سبب موت موت أحد عن إهمال أو قلة إحتراز أو عن عدم مراعاة القوانين والأنظمة عوقب بالحبس من ستة أشهر الى ثلاثة سنوات”.

عقوبة القتل الخطأ في الاسلام هي دفع دية لأهل المقتول مع كفارة عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وحسب القانون الوضعي تختلف العقوبة من دولة الى أخرى، وغالباً ما يتم إتباع السجن في هذا النوع من القتل.

في خلاصة القول، العقوبات المفروضة للقتل تختلف فيما يتعلق بالنظام القانوني الجزائي، الاسلامي، العشائري، والمدني، إضافةً الى أنها تختلف بناءً على نوع القتل، أي إذا كان عمد أو شبه عمد أو القتل الخطأ، والحكمة من فرض العقوبات في هذه الجريمة، رغم عدم وجود قصد جرمي، هي الحرص على أرواح الناس، والرغبة في الحفاظ على سلامتهم وصحتهم، ويتعين أن يثبت ضد الجاني إهمال أو عدم تبصر أو عدم إحتياط كانت له علاقة مباشرة بالموت الذي حدث.

 

بقلم الحقوقية: رهف جمال صبرة 

السرقة والاحتيال الإلكتروني

 

السرقة والاحتيال الإلكتروني

 

سهّل إستخدام الإنترنت في تقديم الكثير من الخدمات التي يحتاجها الأفراد والتي تلبي احتياجاتهم مثل: التسوق الالكتروني، الإتصال والتواصل، إنجاز معاملاتهم الرسمية وغيرها. التطور التكنولوجي جعل من العالم قرية صغيرة ولكنّه جعلنا نواجه العديد من التحديات بخصوص أمن المعلومات والمحافظة على سرية البيانات مؤدياً إلى الجرائم  الإلكترونية منها الإحتيال والسرقة الإلكترونية مما جعل الإنسان متردداً في استخدام الخدمات الإلكترونية التي أصبح مجبراً على إستخدامها لتسهيل حياته.

  • فما هو مفهوم السرقة والاحتيال الإلكتروني؟
  • وما هي طرق وأساليب الاحتيال والسرقة؟
  • وما هي الفئات المستهدفة للإحتيال والسرقة عبر الإنترنت؟
  • وكيف نقي أنفسنا من هذه الجرائم؟

 

أولاً – مفهوم الإحتيال الإلكتروني والسرقة الإلكترونية:

 

الاحتيال الإلكتروني والسرقة الإلكترونية هما أحد أنواع الجرائم الإلكترونية وتتمثل في خداع وإستغلال غير مشروع من قبل مستخدمي شبكة الإنترنت، حيث يقوم الجاني بأساليب ووسائل منظمة ومخططة لها باستخدام بعض المعلومات الإلكترونية أو التواصل مع بعض الأشخاص بهدف الإحتيال عليهم للحصول على معلومات شخصية أو سرية (الجريمة المعلوماتية)، أو يستلم الجاني أملاك وأموال مملوكة للغير بدون حق مما يؤدي وقوع المجني عليه ضحية للجريمة من مصادر إلكترونية.

و يتمثل الفرق بين السرقة والاحتيال الإلكتروني وإن كان يجمعهما الإعتداء على الغير بأن الحصول على المال في جريمة الإحتيال يحصل بشكل غير مباشر وعن طريق إستغفال المجني عليه، بينما السرقة الإلكترونية يتم فيها إنتزاع المال أو المعلومة من حيازة المجني عليه بالقوة ومن غير رضاه.

 على ماذا تعتمد السرقة والاحتيال الإلكتروني؟

على إستخدام ذكاء وحنكة الجاني وخبرته بحيث يستخدم أساليب إحتيالية تتناسب مع الشخص الذي أمامه لإقناع المجني عليه وإستغلال ظروفه لسرقة ما يريد، ويعتمد أيضا على مواقع يزورها المستخدمون مثل: غرف الدردشة أو مدونات إلكترونية أو المتاجر الالكترونية أو حتى تطبيقات الهواتف المحمول الذكية التي تحتوي على بياناتهم وحساباتهم البنكية.

 

ثانياُ – طرق الإحتيال والسرقة الإلكترونية:

 

  • الإبتزاز الإلكتروني: يطلب الجاني أموال من المجني عليه مقابل إعادة الحسابات والمعلومات الإلكترونية المسروقة.
  • قطع الخدمات: هناك خدمات يحصل عليها المستخدمون من مواقع وشركات إلكترونية فيقوم الجاني بحجبها مقابل الحصول على المال.
  • سرقة البريد الإلكتروني وإختراق البيانات: يقوم الجاني بإختراق مواقع وحسابات لكي يحصل على المعلومات التفصيلية والدقيقة عن المستخدمين وذلك من أجل الإحتيال وخاصة الإحتيال المالي وغالباً ما تختص هذه المعلومات ببعض المنظمات الحساسة وشركات وبنوك أيضاً.
  • عمليات التخريب: بإستخدام برامج تخريبية حتى تتضرر أجهزة المستخدمين أو برمجيات الحاسوب.
  • إنتحال الشخصية: ينتحل الجاني شخصية معينة (مدير أو موظف بشركة معينة أو بنك أو ضابط أمن) لأخذ معلومات شخصية أو مهنية من المجني عليه ليخترق أحد حساباته البنكية أو الشخصية أو المتعلقة بالعمل  للوصول للمعلومات السرية أو الأموال أو الأملاك و الاستحواذ عليها.
  • إستغفال المجني عليه: التقرب من المجني عليه بهدف سرق معلومات لها علاقة بأحد حساباته الإلكترونية و البنكية لسرقة معلومات و أموال من الجمتي عليه.

 

ثالثاً – الفئات المستهدفة لعمليات الإحتيال والسرقة الإلكترونية:

 

 نصف مستخدمي الإنترنت مستهدفين للإحتيال والسرقة الإلكترونية وخاصةً الفئات التي يتجاوز عمرها عن 16 عاماً وكشفت الدراسات أن واحد من بين أربعة أطراف من مستخدمي الإنترنت يقع ضحية كشف البيانات الشخصية، وأن 19%من المستخدمين تعرضوا للاحتيال في عملية الشراء والبيع عبر الإنترنت وتم التجسس عليهم، كذلك المواقع والمؤسسات وإضافة إلى الشركات الإلكترونية.

 

رابعاً – القوانين التي نصت على جريمة الاحتيال والسرقة الإلكترونية:

 

لم تنص القوانين القديمة بنصوص صريحة وخاصة بجرائم الاحتيال و السرقة الإلكترونية؛ لأن هذه القوانين وضعت قبل تطور التكنولوجيا ودخول الخدمات الإنترنت وأجهزة الكمبيوتر وغيرها من التقنيات، لكن كيف يمكن التصدي لهذه الجرائم؟!

نصت المادة ٤١٧من قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 على أن “باستعمال طرق إحتيالية يوهم المجني عليه بوجود أمر لا حقيقة له أو إيهامه بالأمل حصول ربح وهمي أو بدفع المبلغ الذي أخذ بطرقة إحتيالية أو الإيهام بوجود سند دين غير موجود أو يتصرف في مال منقول أو غير منقول وهو يعلم أن ليس له حق التصرف به، وإتخاذ اسم كاذب أو صفة غير موجودة: يعاقب بالحبس مدة ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات و بالغرامة من خمسة دنانير إلى خمسين ديناراً”.

تتشابه جريمة الإحتيال الإلكتروني جريمة الإحتيال العادية فكلاهما يقومان على أساس الخداع والغش إضافة إلى جرائم الأموال، بهدف الجاني الإستيلاء على أموال غيره لذلك لم يشرع المشرع نصوصاً قانونياً تجرّم وتعاقب مرتكبي جريمة الإحتيال الإلكترونية، في القضاء الجزائي وسع في تفسيره للنصوص القانونية الخاصّة بجريمة الإحتيال العادية وأخذت به كافة الدول مع ذلك اختلفت جريمة الإحتيال الإلكترونية عن جريمة الإحتيال العادية، كون الإحتيال الإلكتروني يتم من خلال وسيلة إلكترونية باستخدام شبكة الإنترنت لكن الثانية تكون بأي طريقة من شأنها إيهام الغير وخداعه وأنها أوسع وأشمل من الإلكترونية وأن محل الإحتيال العادية هو المال المنقول أما الاحتيال الالكتروني يشمل الخدمات ومعلومات، و يقع الإحتيال العادي بين الجاني والمجني عليه أما الإحتيال الإلكتروني يقع بين أشخاص متباعدة لكن في ظل تطور التكنولوجيا أصبح يأخذ أسلوباً آخر. ذلك لا يمنع من تطبيق نص المادة 417 من قانون العقوبات للتصدي لجرائم الاحتيال.

 

خامساً – كيف يمكن للأشخاص أن يحموا أنفسهم من هذه الجرائم؟

 

  • التواصل مع الجهات الرسمية عند إجراء التعاملات المالية الإلكترونية.
  • استخدام بطاقة الائتمان بحذر شديد.
  • التأكد من وجود الشركات وجود فعلي لضمان المصداقية لا يكفي فقط الموقع والبريد الإلكتروني.
  • التواصل مع الشركات مباشرةً في حال وصول طلبات مشبوهة.
  • استخدام برامج مضادة للفيروسات وتحديثها باستمرار.
  • المحافظة على سرية المعلومات الخاصة وعدم مشاركتها مع أي جهة.

 

تدل الزيادة في هجمات التصيد الإحتيالي على مؤشر خطير في العالم، لذلك ننصح الأفراد بالحذر في إستخدام التطبيقات والإبتعاد عن التطبيقات القابلة للإختراق، وعدم الرد على الرسائل التي تتمثل برقم الحسابات البنكية أو الإيميلات مجهولة المصدر، وفي حالة تعرضك لسرقة أو احتيال إلكتروني وجب عليك التوجه للسلطات الأمنية. وتقع مسؤولية توعية المواطنين على عاتق أكثر من جهة في المجتمع، بالبداية على المتخصصين في مجال الأمن السيبراني أن يقدموا كل ما لديهم من خبرة ومعرفة للمواطنين كواجب وطني للحفاظ على أمن الدولة وتقليص عدد الجرائم الإلكترونية. 

 

بقلم الحقوقية: لبنى صادق أبو زهيد

الوعد بالتعاقد وتطبيقاته في القانون المدني

 

الوعد بالتعاقد وتطبيقاته في القانون المدني

 

يعتبر الوعد بالتعاقد أحد الصور الخاصة للتراضي[1]، الذي يكون بمثابة الاتفاق الابتدائي لإنشاء الالتزامات المتبادلة في مرحلة سابقة للعقد بصورته النهائية.  هناك الكثير من المعاملات المالية تقوم على الوعد كما في المرابحة والايجار والوعد بالبيع، وتعتبر الوعود مسألة هامة ولكن في ذات الوقت عليها اختلاف فقهي كبير حول مدى الزاميتها[2]، وسيهدف البحث الى عرض مفهوم الوعد بالتعاقد إضافة الى مدى فعالية النصوص القانونية في معالجة حكمه القانوني.

 

أولاً – ماهية الوعد بالتعاقد:

 

يتمتع الوعد بالتعاقد بخصوصية تختلف عن باقي الوعود والاتفاقيات، كونه يخضع للأحكام العامة المتعلقة بالعقود من حيث اركان العقد وشروطه، ولكنه يختلف من ناحية اعتباره عقدا، فهو يتكون من تلاقي الايجاب والقبول بين كل من الواعد والموعود له[3].

ويعرّف الوعد بالتعاقد على أنه عبارة عن عقد يلتزم بمقتضاه أحد الأطراف بإنشاء عقد مستقبلي[4]، ويتم بتوافق ارادتين، وهما صدور الايجاب من الواعد، والقبول من الموعود له، فهو تمهيد لنشوء وابرام عقد في المستقبل، كما ويعتبر من العقود التي تكون ملزمة اما لجانب واحد او لجانبين[5]. أو هو ما يقوم الفرد بفرضه على نفسه من اجل غيره على سبيل الالتزام في المستقبل وليس الحال[6].

 

ثانياً – الفرق ما بين الوعد بالتعاقد والعقود:

 

تم الحديث عن مفهوم الوعد بالتعاقد، اما فيما يتعلق بالعقد فيقصد به: توافق ارادتين او أكثر على ترتيب أثر قانوني معين، او هو التزام المتعاقدين وارتباط الايجاب والقبول[7]، وذلك وفقا للمادة (103) من مجلة الاحكام العدلية العثمانية، وتتمثل الفروقات بينهما فيما يلي:

  • الوعد بالتعاقد ليس عقدا قائما بذاته انما هو وسيلة/طريقة لإنشاء هذا العقد.
  • العقد يعتبر عقد كامل ونهائي، أي مستوفي لكل اركان العقد المنصوص عليها قانونا، اما الوعد بالتعاقد فهو عقد تمهيدي ابتدائي لم يرتقِ الى العقد النهائي فهو مرحلة وسط ما بين الايجاب والتعاقد بالصورة النهائية.
  • العقد تظهر اثاره القانونية بشكل مباشر وفوري، اما الوعد بالتعاقد فتكون اثاره مستقبلية[8]، بمعنى لو كان الوعد بالتعاقد ملزما لجانب واحد فان أثره يظهر بصدور القبول من الطرف الاخر، اما لو كان ملزما لكلا الجانبين فانه يرتب اثرا بمجيء الميعاد القانوني المتفق عليه.
  • العقد يترتب عليه جميع الاثار القانونية وهي الحقوق والالتزامات المفروضة على الطرفين، اما الوعد بالتعاقد فلا تظهر حقوقه والتزاماته.
  • العقد يكون ملزم لطرفي العقد ولا يحق لأحدهما العدول عنه الا باللجوء الى القضاء او في الحالات المحددة قانونا، اما الوعد بالتعاقد فيمكن العدول عنه وذلك في حال رفض الموعود له لهذا الوعد.

 

ثالثاً – مجلة الأحكام العدلية في معالجة مسألة الوعد بالتعاقد:

 

لم تتحدث مجلة الاحكام العدلية العثمانية بالشكل الصريح عن الوعد بالتعاقد، ولكن جاءت المجلة في الحديث عن الوعد بصفة عامة، ف وفقا لما ورد في المادة (171) فان صيغة الاستقبال الدالة على الوعد المجرد لا ينعقد بها البيع، يفهم من المادة بان مسألة الوعود ليست ملزمة قانونا، وبشكل ضمني يمكن اعتبار الوعد بالتعاقد غير ملزم بالاستناد الى ما بينته المجلة، وهناك نص اخر في المادة (84)[9] والتي اعتبرت بان الوعد المعلق يكون لازما. ولكن لم يرد نص صريح حول الوعد بالتعاقد.

 

رابعاً – موقف القضاء الفلسطيني من مسألة الوعد بالتعاقد:

 

بحسب القضاء الفلسطيني لا يوجد ما يجبر الواعد على تنفيذ وعده، ولكن يوجد تعويض عن الضرر، بمعنى لو تلاقى الايجاب والقبول على وعد بالتعاقد، ومن ثم عدَل الواعد، لا يستطيع الموعود له اجباره بقوة القانون على التنفيذ، ولكن يحق له في حال لحقه ضرر نتيجة العدول عن هذا الوعد، ان يرفع دعوى بالتعويض عن الضرر الذي لحق به[10]، وذلك بالاستناد الى قواعد المسؤولية التقصيرية. فـ الوعد بالتعاقد في الواقع الفلسطيني مشروع ويعمل به ولكن غير ملزم بالوفاء قانونا، وهناك جانب آخر من القضاة يعتبر ان الوعد بالتعاقد الوارد على العقارات او المنقولات التي تأخذ حكم العقار فحتى يكون ملزما يتوجب ان يتم فيه الاجراء الشكلي وهو التسجيل[11].

ولكن بحسب وجهي نظري  أرى أن الوعد في التعاقد غير ملزم وأن قيام الواعد بتنفيذ وعده يعتبر تصرف انفرادي يتطلب قبول الطرف الآخر ألا وهو الموعود له ولا يعتبر عقداً نهائياً، وفيما يتعلق بالجانب القضائي الذي يعتبره ملزماً في حال تمام الشرط الشكلية فهو في هذه الحالة يصبح عقداً نهائياً بمجرد تسجيله وليس وعد بالتعاقد، فتسجيل الأرض في دائرة الطابو تنتقل بها الملكية مباشرة ويتم العقد، إضافة إلا أن قانون تسوية الأراضي لم يشترط تسجيل الوعد بالتعاقد وهذا يدلل على عدم الزاميته، لذا أرى إن هذا الجانب القضائي قد توسع في ذلك.

 

خامساً – النصوص القانونية في مسألة الوعد بالتعاقد:

يفتقر الواقع الفلسطيني الى وجود تشريعات تعالج كافة متطلبات القانون المدني ولكن يمكن اللجوء الى قانون المخالفات المدنية رقم (36) لسنة 1944م لإقامة دعوى ضرر نتيجة العدول عن الوعد بالتعاقد وفقا لقواعد المسؤولية التقصيرية، إضافة الى القانون المدني الفلسطيني رقم (4) لسنة 2012م ساري النفاذ في غزة وليس في الضفة الغربية، فقد تم النص في مادته (91) على الوعد بالتعاقد، وجاءت متشابهة لموقف المشرع الأردني بحيث اعتبرت الوعد بالتعاقد لازماً بتوافر الشروط اللازمة لانعقاده[12]، ولكن لا يمكن للقاضي الاعتماد عليها في الضفة الغربية.

 

سادساً – أحكام محاكم في مسألة الوعد بالتعاقد:

 

  • قضية رقم (705) لسنة 1997م، تاريخ الفصل14/9/1999: هذه قضية استئناف حول حكم محكمة بداية رام الله قضية 797/96، وقد بينت المحكمة بان القانون المدني المعمول به هو مجلة الاحكام العدلية وقد خلت من الإشارة لموضوع الوعد بالتعاقد، ولكن المحكمة استندت الى الفقه والقضاء الحديث والقانون المدني الأردني، واعتبر لازما اذا تم الاتفاق على الأمور الجوهرية وتحديد مدة متفق عليها، وتقوم المسؤولية العقدية في حال الاخلال به، كما وفي حال اشتراط شكل معين للتسجيل يفترض التسجيل بالشكل الرسمي لاعتباره لازما، كان يكون عقارا او منقول يأخذ حكم العقار(يلزم التسجيل)، وبينت المحكمة انه حتى ولو محكمة البداية اعتبرت الوعد بالبيع بيعا، لا يهم ما دام ان التسجيل الرسمي لم يحصل.
  • قضية رقم (1308) لسنة 2018م، تاريخ الفصل 30/1/2019: قضية استئناف للطعن في حكم محكمة بداية، وقد استندت المحكمة الى ان موضوع النزاع وارد على عقار، ومطالبة بالتعويض عن الضرر وليس مطالبة بتنفيذ الالتزام، والعقار يجب تسجيله لكي يتم اعتبار العقد او الوعد صحيح، ولكنه لم يكن مسجلا فاعتبر العقد أساسا باطل وبالتالي لم يترتب أي أثر (لا يحق له المطالبة بالتعويض)، ويفهم بان المحكمة لم تنظر في النزاع للإجبار على التنفيذ بل نظرت هل يحق له طلب تعويض ام لا.
  • قضية رقم (159) لسنة 2018م، تاريخ الفصل 17/3/2019: اعتبرت المحكمة ان الوعد بالتعاقد مشروع ولكنه غير لازم، كونه لا يشكل عقد نهائي، وبالتالي لا يوجد اجبار على التنفيذ، والعربون الذي اتفق عليه أطراف النزاع لا يشكل تعويض وانما جزء منفصل، كما واعتبرت المحكمة بان قانون تسوية الأراضي لم يشترط ان يكون الوعد بالتعاقد على غير المنقولات ان يكون مسجلا (لا حاجة لتسجيله)، ويحق طلب التعويض اذا رأى القاضي وجود ضرر فعلي.

 

يتبين مما سبق بأن الوعد بالتعاقد مشروع ويكثر استخدامه في المعاملات ولكن وفي ذات الوقت يظل غير لازم التنفيذ من الناحية القانونية، وإنما إذا تضرر أحد الأطراف نتيجة هذا الوعد يحق له المطالبة بالتعويض وفقاً لقواعد الفعل الضار، وان القضاء الفلسطيني قد عمل بهذا المبدأ، وكما تبين أيضا بأن المحاكم الفلسطينية كانت تحكم بالتعويض اذا رأى القاضي وجود الضرر، وبعض المحاكم فسرت على أن الوعد الذي يرد على غير المنقولات غير لازم، وبعضها فسرته أنه لازم فقط في حال تسجيله بشكل رسمي، ولكن الواقع الفلسطيني يفتقر حقيقة الى تشريعات واضحة وليست مبهمة لكي يسير على نهجها القضاء دون الحاجة الى الرجوع الى الفقه وقانون الدول الأخرى.

 

بقلم الحقوقية: رؤى أحمد جرادات

عقد تأجير شقة مفروشة

  عقد تأجير شقة مفروشة الفريق الأول : ________ . الفريق الثاني: ________. اتفق الفريقين على : يملك الفريق الاول الشقة السكنية رقم ___ من الب...